
تشكل المرافعات والتدخلات التي يقدمها فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، أمام البرلمان المغربي مرآة حقيقية لتوجهات السياسات العمومية والخيارات الاستراتيجية للدولة، حيث لا تقتصر هذه الخرجات على كونها مجرد أرقام صماء، بل تعكس فلسفة اقتصادية واجتماعية متكاملة ترمي إلى الموازنة بين دقة التوازنات الماكرواقتصادية وضرورات بناء الدولة الاجتماعية. وعند الغوص في تفاصيل ما جاء على لسانه، يتضح جلياً أن الخطاب الموجه للعموم يستند إلى رؤية تحليلية تفكك التحديات الراهنة وتقدم إجابات عملية مدعومة بالأرقام والمؤشرات الرسمية، بعيداً عن الخطابات الشعبوية أو الوعود الفضفاضة.
يبدأ العمق الاقتصادي لخطاب لقجع من رصد استثمار عمومي إجمالي غير مسبوق يبلغ أربعمائة مليار درهم، وهو رقم يحمل دلالات استراتيجية عميقة تفيد بأن الدولة لم تتخلَ عن دورها التاريخي والمحوري كمحرك رئيسي للاقتصاد الوطني ومستثمر أول يعوض أي قصور محتمل في القطاع الخاص، خاصة في ظل الظروف الجيوسياسية والاقتصادية الدولية المتقلبة. هذا الاستثمار الضخم ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لخلق دينامية في البنيات التحتية، وتوفير الشروط الملائمة لإنعاش عجلة الاقتصاد، وتتكامل هذه الغاية مع تخصيص غلاف مالي يناهز اثنين وستين مليار درهم لتنزيل التزامات البرنامج الحكومي، مما يعكس إرادة سياسية ومؤسساتية واضحة للوفاء بالتعاقدات المقطوعة أمام المواطنين، مقروناً برهان واقعي ومدروس على تحقيق معدل نمو اقتصادي في حدود ثلاثة وسبعة من عشرة بالمائة، وهو معدل يعبر عن تفاؤل حذر مبني على تقييم دقيق للقطاعات الإنتاجية المختلفة، الفلاحية منها وغير الفلاحية.
وفي جانب البعد الاجتماعي الذي يمثل جوهر الرهانات الحكومية، حرص لقجع على توسيع مفهوم الدولة الاجتماعية ليخرج من النطاق الضيق المتمثل في الدعم المباشر أو الولوج للخدمات الصحية الأساسية، ليشمل فهماً أعمق وأشمل يمس صميم القدرة الشرائية للمواطن وحمايتها من كل أشكال المضاربة والاحتكار وتضارب المصالح، مع إيلاء أولوية قصوى للأمن الغذائي والطاقي للبلاد. وعند تفكيك التدابير العملية الموجهة للفئات الهشة والأجراء والمتقاعدين، يتبين أن الحكومة تعمل على هندسة مالية دقيقة تروم مراجعة الضريبة على الدخل لتخفيف العبء الضريبي عن الطبقة المتوسطة والطبقات العاملة، فضلاً عن إجراءات هيكلية تشمل رفع الحد الأدنى للمعاشات لضمان العيش الكريم للفئات التي أنهت مسارها المهني، وإقرار تدابير دعم مباشرة وغير مباشرة مثل تحمل فواتير الكهرباء ضمن سقف محدد في أقل من مائة درهم للأسر المعوزة، وهي تفاصيل دقيق�







