
دخلت منطقة الشرق الأوسط في الثامن والعشرين من فبراير لعام 2026 منعطفاً تاريخياً هو الأخطر منذ عقود، إثر إعلان الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب بالتعاون مع الحكومة الإسرائيلية عن انطلاق عمليات عسكرية كبرى ومنسقة استهدفت العمق الإيراني تحت مسميات رمزية عكست حجم التصعيد، حيث أطلقت واشنطن اسم “الغضب الملحمي” (Epic Fury) بينما اختارت تل أبيب اسم “زئير الأسد”. هذا التحرك العسكري الذي لم يعد يقتصر على ضربات جراحية أو عمليات استخباراتية، جاء كذروة لمسار طويل من التوتر المحتقن بين الأطراف الثلاثة، مدفوعاً بجملة من الدوافع الجيوسياسية والعقائدية العسكرية التي تتبناها إدارة ترامب الجديدة. وتتمثل الركيزة الأساسية لهذا الهجوم في القناعة الأمريكية والإسرائيلية الراسخة بأن المسار الدبلوماسي لتفكيك البرنامج النووي الإيراني قد وصل إلى طريق مسدود، وأن طهران استغلت فترات التفاوض السابقة لتسريع عمليات تخصيب اليورانيوم والاقتراب من “عتبة القنبلة” وهو ما تعتبره إسرائيل تهديداً وجودياً لا يمكن التعايش معه، وتراه واشنطن تقويضاً كاملاً للهيمنة الأمريكية وتوازنات القوى في الشرق الأوسط. ولم يتوقف نطاق الأهداف عند المنشآت النووية في ناتنز وفوردو، بل امتد ليشمل البنية التحتية الدفاعية واللوجستية للحرس الثوري الإيراني في طهران، وقم، وأصفهان، وتبريز، مما يعكس رغبة في شل القدرات الصاروخية الباليستية الإيرانية التي باتت تمثل ذراعاً طولى قادرة على استهداف القواعد الأمريكية والمصالح الحيوية في المنطقة. من الناحية السياسية، حمل خطاب الرئيس ترامب الذي رافق الهجوم أبعاداً تتجاوز الردع العسكري؛ إذ وجه رسالة مباشرة إلى الشعب الإيراني وقوات أمنه بضرورة “استعادة بلادهم”، وهو ما يُقرأ سياسياً على أنه مسعى صريح لتغيير النظام أو على الأقل تحفيز اضطرابات داخلية تؤدي إلى تآكل شرعيته، بالتوازي مع ضرب أذرعه الإقليمية في لبنان واليمن والعراق لقطع خطوط الإمداد الاستراتيجية. وفي المقابل، جاء رد الفعل الإيراني ليؤكد أن طهران لن تكتفي بضبط النفس أو اللجوء إلى “الصبر الاستراتيجي” هذه المرة، حيث أعلنت عن بدء رد حاسم استهدف بالفعل قواعد عسكرية أمريكية في دول الجوار، مما يضع هذه الدول في موقف حرج بين التزاماتها الأمنية مع واشنطن ورغبتها في تجنب الانجرار إلى ساحة معركة مباشرة. دولياً، أثار هذا الهجوم موجة من القلق العارم، حيث عبرت الأمم المتحدة عن “أسفها الشديد” وحذرت من عواقب إنسانية كارثية، في حين تراقب القوى الكبرى مثل روسيا والصين الموقف بحذر، معتبرة أن هذا التحرك العسكري الأحادي الجانب قد يقضي على ما تبقى من نظام الأمن الدولي المبني على القوانين، ويفتح الباب أمام صراعات إقليمية لا يمكن التنبؤ بنهايتها. إن المشهد الحالي يشير إلى أننا أمام إعادة صياغة خشنة لخريطة النفوذ في الشرق الأوسط، حيث تسعى واشنطن وتل أبيب إلى فرض واقع جديد ينهي الطموحات الإقليمية الإيرانية بشكل نهائي، بينما تراهن طهران على قدرتها على الصمود ورفع تكلفة الحرب إلى مستويات غير مسبوقة تؤثر على أسواق الطاقة العالمية والأمن البحري في الممرات الحيوية. وبالانتقال إلى التبعات الاقتصادية لهذا الزلزال العسكري، فقد استجابت الأسواق العالمية فوراً بحالة من الذعر أدت إلى قفزات تاريخية في أسعار النفط الخام التي تجاوزت حاجز الـ 120 دولاراً للبرميل في ساعات قليلة، وسط مخاوف جدية من تعطل إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز الذي يمر من خلاله نحو خمس الاستهلاك العالمي، حيث هددت طهران بإغلاقه بالكامل كرد فعل انتقامي، ما يضع الاقتصاد العالمي المنهك أصلاً أمام شبح ركود تضخمي غير مسبوق. كما شهدت البورصات العالمية تراجعات حادة، وتوجه المستثمرون نحو الملاذات الآمنة كالذهب الذي سجل أرقاماً قياسية، في حين تواجه شركات التأمين البحري والشحن تحديات لوجستية كبرى قد تؤدي إلى توقف حركة الملاحة في الخليج العربي وبحر العرب، مما يعني اضطراباً في سلاسل الإمداد العالمية وارتفاعاً جنونياً في تكاليف الشحن والسلع الأساسية، وهو ما يضع ضغوطاً سياسية هائلة على الحكومات الغربية لموازنة أهدافها العسكرية مع استقرار شعوبها الاقتصادي.




