دخلت قضية الصحراء المغربية، مع مطلع مارس 2026، مرحلة فاصلة تتجاوز منطق الجمود التاريخي لتستقر في صلب هندسة دولية جديدة يقودها فاعلون دوليون وازنون، حيث شهدت الأسابيع الثلاثة الماضية تحركات ديبلوماسية مكثفة وغير مسبوقة تحت رعاية أمريكية مباشرة في كل من واشنطن ومدريد. هذه التحركات، التي قادها المبعوث الأمريكي الخاص “مسعد بولس” والمنسق الأممي “ستافان دي ميستورا”، لم تكن مجرد جولة مشاورات روتينية، بل تمخضت عما بات يُعرف بـ “خريطة طريق مدريد 2026”. وتكشف أدق التفاصيل المسربة عن هذه الخريطة أن المغرب انتقل من تقديم مبادئ عامة للحكم الذاتي (كما في نسخة 2007) إلى طرح وثيقة قانونية ودستورية مفصلة تقع في 40 صفحة، تتضمن “هندسة مؤسساتية” دقيقة تشمل إنشاء برلمان جهوي بصيغة تمثيلية ثلاثية، وتنظيماً مفصلاً لتقاسم الموارد الطبيعية بين المركز والجهة، مع تثبيت آليات رقابة قضائية تضمن التوازن بين السلطة المحلية والسيادة الوطنية. هذا الانتقال من “خطاب السيادة” إلى “هندسة الحكم” يعكس رغبة الرباط في تقديم نموذج واقعي وقابل للتنفيذ فوراً، وهو ما لقي صدىً إيجابياً واسعاً في قرار مجلس الأمن الأخير رقم 2797، الذي لم يكتفِ بتمديد ولاية “المينورسو” حتى أكتوبر 2026، بل وصف الحكم الذاتي بأنه “الأساس الأكثر جدية وواقعية” والمنطلق الوحيد لأي حل سياسي مستدام.
وعلى المستوى الميداني والسياسي، تشير التطورات الحالية إلى تحول جذري في موازين القوى داخل أروقة الأمم المتحدة؛ فمنذ مطلع يناير 2026، تغيرت تركيبة مجلس الأمن بدخول أعضاء جدد مثل البحرين وكولومبيا وليبيريا، وهم من الداعمين الصريحين للوحدة الترابية للمغرب، مما قلص من مساحة المناورة لخصوم المقترح المغربي. وفي هذا السياق، شهدت مدريد في فبراير الماضي لقاءات “صامتة” ضمت وزراء خارجية المغرب والجزائر وموريتانيا وممثلين عن جبهة البوليساريو، حيث تركز النقاش حول “إجرائية” تنزيل الحكم الذاتي، بما في ذلك تفاصيل دقيقة مثل كيفية تعيين رئيس السلطة التنفيذية للجهة، وإدماج العناصر المسلحة في منظومات أمنية وطنية منسقة. وبالتوازي مع هذا المسار السياسي، تواصل القوى الأوروبية تعزيز موقفها، حيث التحقت السويد والدنمارك رسمياً بركب الدول الداعمة للمبادرة المغربية، معتبرة إياها الحل الوحيد لضمان استقرار منطقة الساحل والصحراء. وبينما تصر جبهة البوليساريو في خطاباتها الإعلامية بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيسها على خيار تقرير المصير، إلا أن الواقع الدبلوماسي يفرض عليها اليوم التفاوض ضمن سقف “الحكم الذاتي الموسع”، خاصة مع تزايد الضغوط الدولية لإنهاء النزاع قبل نهاية عام 2026، وتحول الأقاليم الجنوبية للمملكة إلى قطب اقتصادي عالمي يجذب استثمارات كبرى في مجالات الهيدروجين الأخضر والصيد البحري، مما جعل من خيار الانفصال مشروعاً غير واقعي في نظر المجتمع الدولي الذي بات يبحث عن “الاستقرار فوق كل اعتبار”.







