
شهدت مكة المكرمة في جمادى الآخرة من عام ثلاثة وسبعين للهجرة فصلاً ختامياً من أكثر فصول التاريخ الإسلامي إثارة وشجناً، حيث تضافرت الروايات التاريخية المستندة إلى المصادر الإسلامية الكبرى، مثل “تاريخ الرسل والملوك” للطبري و”البداية والنهاية” لابن كثير، لتروي تفاصيل الحصار المرير ومقتل أمير المؤمنين في الحجاز، عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما. كان ابن الزبير، وهو أول مولود للمهاجرين في المدينة المنورة وتلميذ الصحابة الكبار، قد بايعه أهل الحجاز واليمن والعراق ومصر بالخلافة بعد وفاة يزيد بن معاوية، وظل متمسكاً بعهده معتصماً ببيت الله الحرام، حتى تولى عبد الملك بن مروان الخلافة الأموية في دمشق، فوجه غايات همته لإنهاء خلافة ابن الزبير، وجرد لذلك جيشاً كثيفاً بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي.
وصل الحجاج إلى مكة ونزل بالطائف أولاً، ثم ضرب حصاراً خانقاً على المدينة المقدسة، ونصبت المنجنيقات على جبل أبي قبيس والجبال المحيطة بالحرم، وبدأت الصخور تنهال على المسجد الحرام دون مراعاة لحرمة الكعبة المشرفة، مما أدى إلى تصدع جدرانها واحتراق أستارها. دام هذا الحصار أشهراً عديدة، وعانى أهل مكة من جوع شديد وقحط مستعر، حتى ذبح الناس خيولهم ودوابهم ليقتاتوا، وبدأت العزائم تلين تحت وطأة المعاناة الطويلة، وبدأ أصحاب ابن الزبير وجنده يتسللون وينضمون إلى معسكر الحجاج طلباً للأمان، حتى خرج إليه اثنان من أبناء ابن الزبير نفسه، هما حمزة وخبيب، ولم يبق مع عبد الله إلا ثلة قليلون من أهل الصدق والوفاء، يتقدمهم بعض الموالي والفرسان الذين عاهدوا الله على الموت.
في ظل هذه الأجواء العصيبة، دخل عبد الله بن الزبير على أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، رضي الله عنها وعن أبيه، وكانت عجوزاً كفيفة قد بلغت من العمر مئة عام لكنها احتفظت بعقل راجح وبصيرة إيمانية فذة. شكى إليها عبد الله خذلان الناس له، حتى أولاده، وأخبرها بأن الحجاج يعرض عليه الأمان والدنيا إن هو استسلم، فسطرت أسماء موقفا تاريخياً خلده الرواة، حيث قالت له كلمتها الشهيرة التي أصبحت دستوراً للصمود: “يا بني، إن كنت تعلم أنك على حق وتبغي الحق فامضِ له، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكّن من رقبتك غلمان بني أمية يتلاعبون بها، وإن كنت إنما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت، أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك، وإن قلت كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين، كم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن!”. فقبل عبد الله رأسها وقال لها إن هذا هو رأيه أيضاً، ولكنه خشي أن يُمثّل بجسده بعد الموت، فأجابته بقلب مؤمن صلب: “يا بني، إن الشاة لا يضيرها سلخها بعد ذبحها، فامضِ على بصيرتك”.
خرج عبد الله بن الزبير من عند أمه وهو يرتدي درعه ويحمل سيفه، وعاد إلى ساحة المسجد الحرام حيث كانت قذائف المنجنيق لا تزال تتساقط، فصلى بالبقايا من جنده صلاة الخوف، ثم تقدم يقاتل قتال الأبطال والمستبصرين. كان يثب على صفوف جيش الحجاج كأنه أسد هصور، يفرق جمعهم تلو الجمع، حتى إن الرواة ذكروا أنه كان يحمل عليهم وحده فيجبرهم على التراجع إلى وراء الحجون. وبينما هو يقاتل بكل شجاعة وبسالة عند أبواب الحرم، رُمي بحجر أصاب جبهته فشجّها، وسالت الدماء على وجهه وهو يرتجز ببيوت من الشعر تؤكد ثباته ومادحاً أصله الصيد من قريش. ومع تدفق الدماء، تكالب عليه جنود الحجاج من كل حدب وصوب وهو يدافعهم بسيفه حتى سقط شهيداً في بطن مكة، بالقرب من الكعبة التي عاش يدافع عن حرمتها.
لم يكتفِ الحجاج بقتل ابن الزبير، بل أمر بقطع رأسه وإرسالها إلى الخليفة عبد الملك بن مروان، وصلب جسده الطاهر منكساً عند ثنية الحجون تشفياً وتنكيلاً، وامتنع عن تسليم الجثة لأمه أسماء لتدفنها. وتروي المصادر الإسلامية أن الحجاج مر على جسده المصلوب يوماً وقال متفاخراً إن ابن الزبير قد خبث، فمر به عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فوقف على الجنازة ودعا له، ثم التفت إلى الناس وقال: “والله ما كان خبثاً، بل كان صواماً قواماً وصولاً للرحم”. ودخل الحجاج على أسماء بنت أبي بكر يحاول كسر كبريائها، فما كان منها إلا أن واجهته بكل شجاعة قائلة: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج من ثقيف كذاب ومبير، فأما الكذاب فقد رأيناه -تقصد المختار الثقفي- وأما المبير فأنت”، والمبير هو المهلك المسرف في سفك الدماء. وأرسلت إليه لاحقاً قائلة: “أما آن لهذا الفارس أن ينزل؟”، فأذن الحجاج أخيراً بإنزاله، فقامت أمه بغسله وتكفينه، ودفنته بمكة بعد أن سجل التاريخ بمداد من نور نهاية خلافة دامت تسع سنوات، ونهاية رجل عاش حياته مدافعاً عما يراه حقاً، لتبدأ بالتحام مكة مجدداً الدولة الأموية في طورها المرواني الجديد.







