صحةجمعيات ومجتمع مدنى

​المشردون خلف سياج الذهان.. هل تحولت شوارع المغرب إلى مستشفيات بديلة للأمراض العقلية؟

​تستيقظ المدن المغربية، كبراها وصغراها، على تفاصيل مشهد يومي بات مألوفاً وثقيلاً في آن واحد؛ أجساد منهكة تفترش الأرصفة، ووجوه غائبة عن الوعي تدير ظهرها للعالم، بينما تجتر مأساة صامتة تجمع بين تدهور الصحة العقلية والتهميش الاجتماعي القاسي. إن هذه الفئة، التي يُطلق عليها المجتمع مجازاً وتنميطاً لفظ “الحماق”، تمثل في حقيقتها جرحاً غائراً في منظومة الرعاية الاجتماعية والطبية بالمملكة، وتطرح استفهامات حارقة حول مدى قدرة الدولة على حماية الحق في السلامة الجسدية والصحية لأكثر الفئات هشاشة. وتتحدث المؤشرات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، وكذا تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، بلغة الأرقام الصادمة التي تكشف أن أكثر من 17% من المغاربة الذين تتجاوز أعمارهم 15 سنة يعانون من اضطرابات نفسية وعقلية، وهي نسبة تقفز إلى حدود 48% إذا ما احتسبت حالات القلق والاضطرابات الخفيفة والمتوسطة. وأمام هذا التوسع الوبائي للاعتلالات النفسية، تقف بنية الاستقبال الطبية عاجزة كلياً، حيث لا تتوفر المملكة سوى على 11 مستشفى متخصصاً و34 قسماً مدمجاً بالمستشفيات العمومية، بقدرة استيعابية إجمالية تتأرجح بين 2260 و2431 سريراً فقط لبلد يقطنه الملايين، يضاف إليها نقص مهول في الموارد البشرية يختزله وجود قرابة 320 طبيباً نفسياً فقط في القطاع العام بأكمله.
​هذا العجز الحاد في البنية التحتية الطبية يولد مباشرة معضلة التشرّد، حيث تغيب تماماً حلقة الوصل المتمثلة في مراكز الإيواء وإعادة التأهيل الاجتماعي والوساطة الأسرية. وفي الحواضر الكبرى كالدار البيضاء والرباط وطنجة ومراكش، تفرض قلة الأسرّة الطبية اللجوء إلى سياسة “الباب الدوار”، إذ يخضع المريض لبروتوكول علاجي مستعجل وقصير لتخفيض حدة أزمته الذهانية، لتقوم المستشفيات بتسليمه فوراً لعائلته التي تجد نفسها، تحت وطأة الفقر والوصم الاجتماعي والخوف من السلوكيات العنيفة، عاجزة عن حمايته ومجاراته، لينتهي به المطاف تائهاً في الشارع العام. ولا يبدو الوضع أفضل حالاً في مراكز الرعاية الاجتماعية العامة المكتظة التي تفتقر للمؤهلات الطبية وتدمج فئات متباينة كالمسنين وأطفال الشوارع والمرضى العقليين في فضاء واحد، مثل مركز تيط مليل بالبيضاء. أما في المدن الصغرى والمناطق الشبه قروية، فإن المعاناة تتضاعف لتصل إلى حد الجفاف الطبي التام، حيث تفتقر هذه المناطق تماماً لأقسام الطب النفسي مما يضطر العائلات لقطع مئات الكيلومترات نحو المراكز الاستشفائية الجامعية، وفي غياب تام للجمعيات أو الملاجئ المحلية، تتحول المحطات الطرقية والممرات المظلمة إلى المأوى الوحيد المتاح لهؤلاء المرضى، مما يجعلهم عرضة لقساوة الطقس والاعتداءات المتكررة.
​وفي هذا الفضاء المفتوح على المجهول، يتحول المريض النفسي المشرد من رقم في سجلات الخصاص الإيوائي إلى ضحية لانتهاكات حقوقية جسيمة؛ إذ تشير تقارير الحركة الحقوقية بالمغرب إلى تعرض هؤلاء، ولا سيما النساء والفتيات، لاعتداءات جسدية وجنسية مستمرة تسفر في أحيان كثيرة عن حالات حمل مجهول النسب تعمق المأساة الطبية والاجتماعية، فضلاً عن استغلال شبكات إجرامية لعدم وعيهم وسقوط مسؤوليتهم الجنائية في أنشطة التسول القسري أو إخفاء المسروقات وترويج الممنوعات، وسط غياب تام لآليات الرعاية الطبية الميدانية الاستعجالية التي قد تنقذهم من تعفنات وأمراض عضوية مزمنة كالسُّكري أو الضغط تفتك بأجسادهم في صمت حتى تنتهي ببتر الأطراف أو الوفاة. هذا الوضع المتردي أفرز بدائل عشوائية خطيرة بعد القرار الرسمي التاريخي الصادر عام 2015 بإغلاق ضريح “بويا عمر” الذي كان يحتجز آلاف المرضى تحت مسمى العلاج بالبركة؛ وبدلاً من استيعابهم في قنوات علاجية حديثة، تدفق مئات منهم نحو هوامش المدن الكبرى كقلعة السراغنة ومراكش والدار البيضاء كمتشردين، بينما أنعشت عائلات أخرى أضرحة صغرى ومحلات رقية عشوائية غير مراقبة تُقيد فيها حريات المرضى بالسلاسل خلف الأبواب المغلقة كخيار حتمي فرضه العجز المادي. فالمرض النفسي الحاد في المغرب يعد مرضاً فقيراً بامتياز يستنزف الدخل المحدود للأسر بسبب الارتفاع الكبير لأسعار مضادات الذهان ومثبتات المزاج وغيابها المستمر من صيدليات المستشفيات العمومية، ناهيك عن اضطرار بعض أفراد الأسرة لترك وظائفهم والتفرغ للحراسة تفادياً للنوبات العنيفة، مما يعمق الهشاشة الاقتصادية ويدفع العائلة في النهاية لرفع الراية البيضاء والقبول بتشرد مريضها.
​وتصل حدة الأزمة إلى ذروتها الحمراء عندما تتطور بعض الحالات غير المستقرة إلى ارتكاب جرائم قتل واعتداءات دموية في حق الأقارب أو المارة، لتصطدم المنظومة الأمنية والقضائية بجدار الفراغ والتداخل التشريعي الذي يكرسه ظهير 30 أبريل 1959 المتعلق بالوقاية من الأمراض العقلية وحماية المصابين بها، وهو نص قانوني عتيق تجاوزته المقاربات الحقوقية الحديثة بأكثر من ستة عقود. وبموجب هذا الظهير، يظل قرار التدخل والإيداع التلقائي أو الإجباري سلطة إدارية ترابية حصرية في يد الولاة والعمال وينوب عنهم محلياً “القيّاد والباشوات” لمواجهة الخطر الداهم على النظام العام، بينما تظل يد “الضابطة القضائية” من أمن وطني ودرك ملكي مغلولة، حيث لا يملكون الصلاحية القانونية المباشرة لاقتياد مريض هائج يشكل خطراً حقيقياً إلى المستشفى النفسي بقرار منفرد، بل يقتصر دورهم على مساندة القائد كقوة عمومية منفذة لأمره، أو بإخطار النيابة العامة بعد وقوع الفاجعة. وعند حدوث جريمة القتل، يعفى المريض تماماً من العقوبة الجنائية بناءً على الفصل 134 من القانون الجنائي لعلة انعدام العقل وقت الفعل، وينتقل الملف من شقه الجنائي إلى شق إداري طبي معقد عبر تدابير الإيداع القضائي بالمؤسسات العلاجية كتدبير وقائي. هذا الفراغ التشريعي يخلق تملصاً جماعياً وتشتيتاً للمسؤولية؛ فالقيّاد يتفادون توقيع قرارات الإيداع الإجباري تحسباً للمتابعات الحقوقية بتهمة الاحتجاز دون وجه حق أو لغياب الأسرة، والضابطة القضائية تقف مكبلة أمام شكاوى المواطنين من مريض يتجول بسلاح أبيض طالما لم يرتكب جنحة مشهودة يعاقب عليها القانون الجنائي، وإدارات المستشفيات ترفض الاستقبال بدعوى غياب الأسرة الشاغرة أو غياب قرار مكتوب وموقع من العامل شخصياً، مما يعيد المريض إلى الشارع كقنبلة موقوتة تتجول بين المواطنين. وفي ظل رصد ميزانية للصحة العقلية لا تتجاوز 2% من الميزانية العامة لوزارة الصحة، يبقى الرهان معلقاً على مدى قدرة “المخطط الاستراتيجي الوطني متعدد القطاعات للصحة العقلية 2030” على سد هذه الفجوات التشريعية والتمويلية لإنهاء مأساة مواطنين تحولت الشوارع إلى مركز إيوائهم الافتراضي والوحيد.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا