أراء وكتاب

زحف الضباب على الحدود: مأساة الهجرة السرية بسبتة

تتكرر مشاهد الحشود البشرية الهائلة من الشباب والنساء المغاربة المحتشدة قبالة المعبر الفاصل بين الأراضي المغربية ومدينة سبتة المحتلة، لتشكل واحدة من أكثر الظواهر الاجتماعية إيلاما وتعقيدا في المشهد المغاربي المعاصر. ولا يمكن اختزال هذه الهجرة الجماعية، التي تتخذ أحيانا طابع الاقتحام والسعي المحموم نحو اجتياز السياج الحدودي سباحة أو تسلقا، في مجرد رغبة عابرة في تغيير الأفق الجغرافي؛ بل هي مرآة عاكسة لأزمات هيكلية عميقة تتداخل فيها عوامل الضغط الاقتصادي والإحباط الاجتماعي وغياب البدائل التنموية الحقيقية للفئات الهشة، ولا سيما قطاع عريض من النساء اللاتي وجدن أنفسهن في مواجهة مباشرة مع شظايا الفقر والهشاشة المطلقة بعد توقف أنشطة التهريب المعيشي التي كانت لسنوات طويلة شريان حياة لآلاف الأسر في الشمال المغربي. وفي خضم هذا الاحتقان اليومي، تحول الفضاء الرقمي، ولا سيما شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك، إلى منصة خصبة لترويج الشائعات والأوهام، حيث انتشرت مؤخرا بغزارة نصوص ومقاطع مصورة مزعومة تتحدث عن قانون إسباني جديد مزعوم يمنح تسوية تلقائية أو تسهيلات استثنائية لمن ينجح في دخول الثغر المحتل، وهو ما أثار موجة عارمة من التضليل وجعل آلاف الباحثين عن بصيص أمل يقعون في فخ الوعود الزائفة التي تصنعها شبكات التهريب المنظم والصفحات الوهمية المستفيدة من مآسي البشر، لتتحول الشائعة إلى محرك أساسي لدفع الآلاف نحو أتون مخاطر الموت غرقا أو الإصابة الخطيرة في مواجهة الإجراءات الأمنية المشددة. وأمام هذه الهجرات المتكررة، سارعت السلطات الإسبانية والمغربية إلى اتخاذ حزمة من التدابير الصارمة لضبط الحدود واحتواء الظاهرة، شملت تعزيز الحزام الأمني، والرفع من جاهزية القوات العمومية، وتشديد المراقبة التقنية على طول الشريط الحدودي، فضلا عن إطلاق حملات أمنية وقضائية مكثفة ضد شبكات الهجرة غير النظامية التي تدير هذه العمليات وتجني أرباحا طائلة على حساب أرواح المستضعفين. غير أن هذه التدابير الأمنية البحتة، رغم نجاعتها المؤقتة في الحد من التدفقات المفاجئة، تظل عاجزة عن استئصال الجذور الحقيقية للأزمة ما لم ترتبط بمعالجة شمولية تحدد بدقة مسؤولية الأطراف المتداخلة، حيث يتحمل النسيج الاقتصادي والجهوي المحلي تبعات الاختلالات التنموية وغياب العدالة الاجتماعية التي تفرز هذه الأعداد الهائلة من اليائسين، إلى جانب المسؤولية الأخلاقية والسياسية للسياسات الإقليمية التي تستغل الجغرافيا لخدمة أجندات ضيقة، ناهيك عن دور غياب الوعي الرقمي في تركيز تأثير الشائعات. وتجدر الإشارة إلى أن الأرقام الرسمية وغير الرسمية الصادرة عن منظمات حقوقية ووطنية تشير إلى معطيات مقلقة تخص محاولات الهجرة السرية نحو سبتة ومليلية، حيث تم إحباط عشرات الآلاف من محاولات العبور منذ بداية العام، وتسجيل المئات من حالات الاعتقال في صفوف المرشحين للهجرة، فضلا عن خسائر بشرية فادحة يتم توثيقها دوريا، وهو ما يؤكد أن الظاهرة قد تجاوزت حد الاحتجاج العفوي لتصبح نزيفا بشريا مستمرا يهدد النسيج المجتمعي ككل. ولعل فهم هذه المعضلة يستدعي الغوص في الدوافع النفسية والاجتماعية التي تجعل أما عزباء أو شابا في مقتبل العمر يفضلان ركوب الموت على البقاء في واقع يفتقر للكرامة الإنسانية، متوسلين في ذلك بكل السبل المتاحة وغير المتاحة. إن استمرار هذا النزيف يضع الجميع أمام مسؤولية تاريخية ملحة تتجاوز الحلول الأمنية الظرفية إلى بلورة رؤية استراتيجية شجاعة تعيد الاعتبار للتنمية المجالية، وتخلق فرص شغل حقيقية، وتحصن العقول ضد التضليل الرقمي، وتضمن للشباب والنساء المغاربة حقهم في العيش الكريم داخل وطنهم، بدل أن يظلوا رهائن لأحلام الهجرة الزائفة على أبواب قارة أوروبية تغلق أبوابها تدريجيا في وجه مآسي العالم النامي.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا