سياسة

استعراض عسكري في مدريد وعقلانية مغربية تكشف أوراق المتربصين

تتوالى التطورات الميدانية والسياسية لتكشف عن عمق الزلزال الذي هز أركان الحكومة الإسبانية على وقع تداعيات أزمة سبتة، حيث لم يعد الأمر مجرد إدارة لإجراءات حدودية عابرة، بل تحول إلى أزمة ثقة هيكلية وغير مسبوقة بين المؤسسات الدستورية ومجلس الوزراء برئاسة بيدرو سانشيز. لقد جاء قرار رفع السرية عن نحو أربعين وثيقة استخباراتية رسمية صادرة عن جهاز المخابرات (الـ CNI) ليشكل نقطة تحول كبرى؛ إذ لم يكن خطوة إجرائية روتينية، بل حمل في طياته إقراراً ضمنياً بوجود تقارير وإنذارات مبكرة حذرت مدريد مراراً وتكراراً من حجم وقوة التدفقات البشرية التي تجاوزت كل التقديرات الرسمية. هذا المعطى الخطير نسف تماماً الرواية الحكومية التي سعت طويلاً للتقليل من وقع الصدمة والهروب إلى الأمام عبر تبادل الاتهامات، مما أظهر عجزاً بيناً في التقدير السياسي والتدبير الاستباقي.
​وفي خضم هذا التخبط الحكومي الواضح وفقدان السيطرة على سردية الأحداث، جاء التحرك السيادي للملك فيليبي السادس ليعيد رسم حدود الصلاحيات ورسائل الردع بصرامة بالغة؛ إذ لم يكن عقد اجتماع عمل استثنائي في قصر سارزويلا بحضور كبار القادة العسكريين، ورئيس أركان الدفاع، وقائد عام مدينة سبتة، مرتدياً زي القائد الأعلى للقوات المسلحة، مجرد لقاء بروتوكولي، بل كان استعراضاً سيادياً صريحاً وموجهاً للداخل قبل الخارج. فمن جهة، سعى القصر إلى ترميم هيبة الدولة وصورتها المهزومة إثر صدمة التقارير الاستخباراتية، ومن جهة أخرى، وجه رسالة ردع قوية وحازمة لتلك الأجنحة السياسية والحزبية التي تحاول باستمرار المزايدة على أمن الدولة واستقرار علاقاتها الاستراتيجية.
​غير أن هذا التصعيد الخشن في العاصمة الإسبانية يتقاطع مع مشهد إقليمي أظهر فيه المغرب طوال الأزمة تعاملاً استثنائياً يتسم بأقصى درجات الرزانة، والضبط العقلاني للنفس، والترفع التام عن الانجرار خلف الاستفزازات أو الدخول في مهاترات إعلامية عقيمة. هذا التموقع العقلاني والحكيم جعل الرباط تبدو بمظهر الطرف الإقليمي المسؤول الذي يدير الأزمات بحنكة وثبات، بينما تظهر المؤسسات الإسبانية متخبطة بين أجنحة الحكومة، وضغوط البرلمان، وحسابات القصر، خصوصاً مع تفجر أزمات مصطنعة متزامنة عكست رغبة دفينة لدى دوائر معينة في إبقاء حالة التوتر مستمرة وعدم السماح لأي استقرار حقيقي أن يترسخ.
​ولفهم جذور هذا التأجيج الممنهج، لا بد من تفكيك الهندسة الخلفية لما جرى؛ فالمتتبع لمسار الأحداث يدرك جيداً أن عملية الحشد والتجييش عبر منصات التواصل الاجتماعي لم تكن عفوية، بل صُممت عبر حرب هجينة قادتها شبكات تضليل وكتائب إلكترونية موجهة – يتقدمها الذباب الإلكتروني الجزائري – لاستغلال البيئة الهشة ودفع آلاف الشباب نحو اقتحام الحدود. لقد كان الهدف الاستخباراتي مكشوفاً للجميع: التشويش المباشر على استقرار المغرب، وتسميم الأجواء الدبلوماسية بين الرباط ومدريد، وتوظيف الورقة البشرية لابتزاز الدولة المغربية في كل مرة تظهر فيها مؤشرات تقارب إيجابي بين البلدين.
​ويتسق هذا التخريب الرقمي والاستخباراتي بانتظام مريب مع أجندات أطراف داخل المشهد السياسي الإسباني نفسه، من تيارات يسارية جذرية وأحزاب تقود ضغوطاً برلمانية مشبوهة؛ حيث تتكفل قوى سياسية مثل تيار “سومار” بالدفع نحو مقترحات قانونية بالغة الحساسية تهدف إلى تجنيس عشرات الآلاف من الصحراويين، وهو توجه وافقت عليه الحكومة مرغمة لتفادي تفكك أغلبيتها البرلمانية رغم مخاطره الجيوسياسية. ويتوازي ذلك مع الحملات الممنهجة لبعض الصحف الإسبانية لتأجيج الشارع وإحراج حكومة سانشيز، وكذا المغامرات السياسية التي أفضت بمدريد إلى إعلان توجهها للعمل على الاندماج الكامل لسبتة ومليلية في الاتحاد الجمركي الأوروبي، رغم إقرارها علناً بأن إسبانيا أبقتهما لسنوات خارج هذا الاتحاد تفادياً للاحتكاكات الدبلوماسية، وهو مسعى دونه تعقيدات قانونية وسياسية هائلة تتطلب إجماعاً أوروبياً وتعديلاً للمعاهدات لتغيير طبيعة الحدود مع إفريقيا.
​إن هذه التجاذبات المركبة التي تخوضها المحكمة الوطنية الإسبانية عبر تثبيت سبتة كطرف متضرر، بالتوازي مع التلويح بزيارة ملكية مرتقبة إلى الثغر المحتل، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن مدريد تعيش مخاضاً عسيراً لإعادة ترتيب أوراقها الاستراتيجية وسط ضغوط أوروبية ومحلية متصاعدة. هكذا تجد الحكومة نفسها محاصرة في زاوية ضيقة بين وثائق استخباراتية تدين تباطؤها، وتحركات عسكرية رفيعة المستوى تفرض إيقاعاً صارماً لإدارة الأزمة، ومغامرات سياسية لدمج المدينتين أوروبياً، وأجندات حزبية واستخباراتية إقليمية تستثمر في تأجيج الصراع. وهو ما ينذر بأن تداعيات أحداث سبتة لن تتوقف عند حدود المعالجات الأمنية الظاهرية، بل ستفتح الباب على مصراعيه أمام تداعيات سياسية قاسية ستكشف عورات التدبير الإسباني برمته في مواجهة الصلابة العقلانية وثبات الموقف المغربي.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا