مال و أعمال

هل تحقق البريكس حلم كسر الهيمنة؟

​تتجه أنظار العالم بأسره نحو العاصمة الهندية نيودلهي التي تستعد لاستضافة القمة الثامنة عشرة لمجموعة البريكس، في حدث استثنائي يتزامن مع الذكرى العشرين لتأسيس هذا التكتل الاقتصادي المتنامي. وتعقد القمة الحالية وسط سياق دولي بالغ التعقيد تتشابك فيه الأزمات الجيوسياسية مع التحديات الاقتصادية، وسلاسل الإمداد العالمية المهددة بالاضطراب، والتغيرات المناخية المتسارعة، فضلاً عن تصاعد الهيمنة المالية الغربية واستخدام العملات أدواتٍ للضغط السياسي، مما يمنح هذه الدورة أهمية مضاعفة تجعلها محطة مفصلية في مسار صياغة نظام عالمي جديد يقوم على تعددية الأقطاب.
​تنطلق فعاليات هذا المحفل الدولي تحت شعار دلالي يعكس الأولويات الاستراتيجية للدول الأعضاء وهو “المرونة، الابتكار، التعاون والاستدامة: صياغة المستقبل من أجل نمو عالمي شامل”، وهو شعار يترجم رغبة التكتل الحثيثة في الانتقال من مرحلة التنسيق السياسي والخطاب الدبلوماسي إلى مرحلة العمل العملياتي والمؤسسي الفعال. وتسعى الرئاسة الهندية من خلال هذا الشعار إلى تركيز الجهود على الابتكار التقني والتكنولوجي، وتوسيع آفاق الشراكة الرقمية، ودعم الابتكار المستدام بما يضمن تحقيق نمو متوازن لا يُقصي الاقتصادات النامية والصاعدة، بل يضعها في قلب معادلة التنمية العالمية المستدامة، مع التأكيد على ضرورة حماية البيئة وتعزيز أمن الطاقة والغذاء اللذين يشكلان عصب الاستقرار البشري في القرن الحادي والعشرين.
​وعلى الصعيد الاقتصادي والمالي، يبرز ملف إصلاح البنية المالية الدولية كأحد أهم الملفات الساخنة على طاولة النقاش، حيث تسعى دول البريكس بخطى حثيثة لتقليص الاعتماد على نظام الدفع العالمي المهيمن عليه غربياً، وتعزيز استخدام العملات المحلية في التبادلات التجارية البينية لخفض تكاليف المعاملات وتحصين اقتصاداتها ضد الصدمات الخارجية والتقلبات الحادة في أسعار الصرف. كما يشهد جدول الأعمال نقاشات معمقة حول آليات تعزيز دور بنك التنمية الجديد، وتوسيع نطاق تمرياته للمشاريع البنية التحتية والتنموية في دول الجنوب العالمي دون شروط تعجيزية أو إملاءات سياسية، إلى جانب دراسة إنشاء منصات رقمية مشتركة للتسويات المالية والمدفوعات العابرة للحدود تضمن استقلالية ومرونة أكبر للتجارة البينية المتنامية بين أعضاء التكتل.
​وفي جانب التعاون الاستراتيجي والسياسي، تكتسب القمة أبعاداً دبلوماسية رفيعة المستوى بفضل مشاركة نخبة من قادة العالم البارزين، في مقدمتهم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ، إلى جانب قادة الدول المؤسسة والجددة والشركاء، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش. ولا تقتصر أهمية هذا الحضور على الجانب البروتوكولي، بل تكمن في كون القمة منصة مثالية لعقد لقاءات ثنائية حاسمة تسهم في تذليل العقبات الإقليمية وتخفيف التوترات الجيوسياسية، لا سيما في ظل المساعي الآسيوية المشتركة لتعزيز التقارب الاستراتيجي وإرساء قواعد الاستقرار الإقليمي والعالمي. ومن المنتظر أن تتكلل هذه الجهود بإصدار “إعلان نيودلهي”، الذي يتوقع أن يحمل رؤية موحدة وحلولاً عملية وملموسة لمختلف التحديات الإنمائية والمالية والبيئية التي تواجه دول الجنوب، مؤكداً بذلك دور البريكس بوصفه صوتاً وازناً وثقلاً اقتصادياً وسياسياً لا يمكن تجاهله في خريطة صنع القرار العالمي الحديث.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا