
تشهد الساحة الروسية الأوكرانية تصعيداً عسكرياً متسارعاً يعكس احتدام حرب الاستنزاف عبر جبهات القتال والضربات الجوية المتبادلة في العمق، وسط تحولات ميدانية وسياسية دقيقة. فوفقاً لما أوردته وكالة “رويترز” ومصادر ميدانية متطابقة، واصلت القوات الروسية تكثيف ضرباتها الصاروخية وهجماتها بسرب الطائرات المسيّرة على العاصمة كييف ومدن خاركيف وأوديسا، مستهدفة مراكز لوجستية ومرافق للاتصالات وشبكات توزيع الطاقة، ما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين وأضرار واسعة في البنية التحتية الحيوية. وتأتي هذه الضربات المركزة مع اقتراب فصل الشتاء، حيث تحذر التقارير الأوكرانية والمنظمات الدولية من استراتيجية تهدف إلى شل منظومة التدفئة والكهرباء وزيادة الضغط الشعبي والاقتصادي، في حين تؤكد وزارة الدفاع الأوكرانية أن دفاعاتها الجوية تمكنت من اعتراض عشرات المسيّرات والصواريخ الموجهة.
على خطوط التماس المباشرة، تفيد بيانات هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الأوكرانية وتقارير وكالة “أسوشيتد برس” بأن الجبهة الشرقية، لا سيما في مقاطعة دونيتسك، تشهد ضغطاً روسياً مكثفاً عبر عمليات اقتحام متواصلة تسعى لقطع خطوط الإمداد وتطويق المراكز الدفاعية الحصينة. وتعتمد القوات الروسية في تقدمها على التفوق المدفعي والقنابل الانزلاقية الثقيلة، بينما تواصل القوات الأوكرانية اعتماد دفاع مرن يستنزف القوات المهاجمة ويكبدها خسائر في العتاد والأفراد، بالتوازي مع استمرار المناوشات والاشتباكات على المحاور الحدودية.
في المقابل، تؤكد البيانات الصادرة عن وزارة الدفاع الروسية ووكالات الأنباء الدولية أن كييف وسّعت نطاق ردودها الجوية عبر استخدام مسيّرات انتحارية بعيدة المدى وصواريخ محلية التطوير، استهدفت مصافي نفط ومستودعات وقود ومصانع عسكرية في مقاطعات روستوف وبيلغورود ومناطق في عمق الأراضي الروسية. وأظهرت صور الأقمار الصناعية، التي نشرتها منصات استخباراتية مفتوحة المصدر وتناولتها شبكة “الجزيرة”، أضراراً طالت منشآت لتكرير النفط ومصانع تقنية حساسة، في إطار مساعي كييف لتقويض القدرات اللوجستية التي تغذي المجهود الحربي لموسكو.
على الصعيدين السياسي والمالي، تواجه كييف تحديات متزايدة ترتبط بضمان استدامة الدعم الغربي؛ إذ تشير تقارير صندوق النقد الدولي والتحليلات الغربية إلى اتساع الفجوة التمويلية لتأمين متطلبات الدفاع وإعادة الإعمار. وفي ظل تمسك الكرملين بشروطه الميدانية، والتشديد الأوكراني على عدم التنازل عن السيادة الإقليمية، تظل الجهود الدبلوماسية والمبادرات الإقليمية المطروحة لتسوية النزاع أو ترتيب هدن مؤقتة تراوح مكانها، ليبقى المشهد محكوماً بإيقاع الميدان والقدرة على امتصاص الضربات الاستراتيجية.




