
يأتي افتتاح الدورة التشريعية الأولى للولاية الثانية عشرة للبرلمان المغربي في سياق سياسي دقيق ومحطة مفصلية تعقبت المحطة الانتخابية وما رافقها من ديناميات مؤسساتية أبرزها تعيين رئيسة الحكومة، ليشكل الخطاب الملكي السامي وثيقة توجيهية متكاملة تتجاوز القراءات التقليدية لتلامس جوهر التحولات الكبرى التي تعيشها المملكة. وإذا كان الإطار المرجعي والأخلاقي للخطاب قد استهل بآيات بينات تربط التدبير العمومي بمنظومة القيم والأمانة والمسؤولية أمام الله والمجتمع وتُعلي من قيمة “الجدية” كعقيدة مؤسساتية ملزمة لكل الفاعلين، مستحضراً بكل اعتزاز أن أغلى إحساس لديه هو مغربيته الراسخة التي لا تزيدها السنوات إلا قوة ورسوخاً، فإن الخطاب من الناحية السياسية البحتة يعيد ترسيم حدود الأدوار الوظيفية للسلطة التشريعية، داعياً إياها لتكون رافعة حقيقية للانسجام بين التوازنات الماكرو-اقتصادية ومتطلبات الدولة الاجتماعية، وهو ما يضع الأغلبية والمعارضة أمام محك المسؤولية التاريخية في هندسة سياسات عمومية ناجعة تستجيب لنبض الشارع وتطلعاته المتجددة. وعلى الصعيد الاستراتيجي والاقتصادي، يقرأ المراقبون في إلحاح العاهل المغربي على إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات المرتبطة بالأمن المائي والطاقي والغذائي والذكاء الاصطناعي تحولاً جوهرياً في عقيدة الدولة نحو الاستباقية في مواجهة الأزمات العالمية المتقلبة، مع دعوة صريحة للقطاع الخاص للخروج من التحفظ التقليدي والتحول إلى شريك فاعل في مسار الإقلاع الصناعي وخلق فرص الشغل، فضلاً عن جعل قضايا الشباب في صدارة الاهتمامات عبر مقاربة تكفل تكافؤ الفرص والاندماج الاقتصادي. وتتكامل هذه الرهانات مع البعد الرقابي والتقييمي الذي يضع المؤسسة التشريعية أمام امتحان عسير يتمثل في الانتقال من الوظيفة التشريعية التقليدية إلى تقييم الأثر الحقيقي للسياسات العمومية على أرض الواقع، لضمان أن تترجم الأوراش الكبرى وقانون المالية إلى تحسين ملموس في ظروف عيش المواطنين وتقليص الفوارق المجالية. أما في عمق الاختلالات التدبيرية، فإن التشخيص الملكي الصارم للتعثرات التي تعرقل تنزيل الجهوية المتقدمة وميثاق اللاتمركز الإداري يعكس إرادة سياسية حازمة لكسر القيود البيروقراطية المركزية التي تعيق التنمية الترابية، إذ لم يعد مقبولاً أي تماطل في نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية نحو الجهات لتمكينها من تدبير شؤونها بفعالية ميدانية. وفي البعد الجيوسياسي والدبلوماسي، حمل الخطاب رسائل قاطعة في مقاربة العلاقات الخارجية وتدبير ملف الهجرة مع الشركاء الأوروبيين وعلى رأسهم إسبانيا، حيث وضع الإصبع على عطب القوانين والقرارات القضائية المتجاوزة التي تخدم شبكات الجريمة وتعيق ترحيل القاصرين، مؤكداً بلهجة حاسمة أن الشراكة الاستراتيجية التزام إرادي وسيادي يرفض رفضاً قاطعاً أي خضوع للضغط أو الابتزاز أو الاستغلال السياسي، مما يكرس سياسة الند للند التي تتبناها الدبلوماسية المغربية في حماية مصالحها العليا وثوابتها الوطنية بكل ثقة وصلابة.







