صحة

مرض الذئبة الحمراء.

كتبته _ حليمة زروال

يهاجم جسدك من الداخل دون أن تشعر.. الذئبة الحمراء مرض غامض قد يبدأ بعلامات تبدو عادية
تعب لا يزول.. آلام متكررة في المفاصل.. طفح غريب على الوجه.. تساقط للشعر.. وحساسية غير معتادة تجاه الشمس. أعراض قد تبدو بسيطة، وقد يمر عليها البعض دون اهتمام، لكنها في بعض الحالات قد تكون إشارات إلى مرض مناعي معقد يعرف باسم «الذئبة الحمراء».
إنها واحدة من الأمراض التي يمكن أن تختبئ خلف أعراض يومية مألوفة، بينما يعمل جهاز المناعة بصورة غير طبيعية ضد أنسجة الجسم نفسه.
عندما ينقلب جهاز المناعة على صاحبه
في الوضع الطبيعي، يعمل جهاز المناعة كخط دفاع يحمي الجسم من الفيروسات والبكتيريا والعوامل الضارة.
لكن عند الإصابة بالذئبة الحمراء، يحدث خلل في تنظيم الاستجابة المناعية، فيبدأ الجسم بإنتاج أجسام مضادة يمكن أن تهاجم أنسجته، مما يؤدي إلى حدوث التهابات قد تطال أعضاء مختلفة.
وقد تقتصر الأعراض عند بعض المرضى على الجلد والمفاصل، بينما يمكن أن تمتد لدى آخرين إلى الكلى أو القلب أو الرئتين أو الجهاز العصبي.
وهنا تكمن خطورة المرض: أنه لا يظهر بالشكل نفسه عند جميع المصابين.
كيف يصاب الإنسان بالذئبة؟
السؤال الذي يطرحه كثيرون هو: هل هناك شيء محدد يجعل الإنسان يصاب بهذا المرض؟
الحقيقة أن السبب الدقيق للذئبة لا يزال غير معروف.
لكن الدراسات الطبية تشير إلى أن الإصابة ترتبط بتداخل عدة عوامل، من بينها الاستعداد الوراثي، واضطراب الجهاز المناعي، والعوامل البيئية والهرمونية.
وقد يكون الشخص أكثر عرضة للإصابة إذا كان لديه تاريخ عائلي مع بعض أمراض المناعة الذاتية، لكن وجود قريب مصاب لا يعني أن المرض سينتقل حتمًا إليه.
كما يمكن لبعض العوامل البيئية أن تؤدي إلى تحفيز المرض لدى الأشخاص الذين لديهم استعداد، ومن بينها التعرض للأشعة فوق البنفسجية، وبعض الالتهابات، والتدخين، وبعض الأدوية.
لماذا النساء أكثر عرضة؟
الذئبة الحمراء يمكن أن تصيب أي شخص، لكنها أكثر شيوعًا لدى النساء، خصوصًا خلال سنوات الخصوبة.
ويرجح الباحثون أن الهرمونات الجنسية قد تكون من العوامل التي تفسر جزءًا من هذا الاختلاف، لكن الصورة أكثر تعقيدًا ولا يمكن اختزال المرض في سبب هرموني واحد.
«طفح الفراشة».. علامة تلفت الانتباه
من أشهر العلامات المرتبطة بالذئبة ظهور طفح جلدي على الخدين وجسر الأنف، ويُعرف باسم طفح الفراشة بسبب شكله.
لكن وجود هذا الطفح لا يعني تلقائيًا الإصابة بالذئبة، إذ توجد أمراض جلدية أخرى يمكن أن تسبب أعراضًا مشابهة.
وقد تظهر لدى بعض المرضى أيضًا حساسية تجاه الشمس، أو تساقط للشعر، أو تقرحات في الفم والأنف.
التعب الذي لا يختفي.. وآلام المفاصل التي تتكرر
من أكثر الأعراض شيوعًا الشعور بتعب شديد ومستمر، إلى جانب آلام أو تيبس أو تورم في المفاصل.
وقد يعتاد الشخص على هذه الأعراض ويعتقد أنها نتيجة ضغط العمل أو قلة النوم أو التقدم في العمر.
لكن عندما تتكرر الأعراض أو تجتمع عدة علامات في الوقت نفسه، يصبح من المهم استشارة الطبيب بدل محاولة تفسيرها بشكل ذاتي.
عندما تصل الذئبة إلى أعضاء الجسم
في بعض الحالات، يمكن أن يؤثر المرض في أعضاء داخلية.
وقد تتأثر الكلى، ما قد يؤدي إلى ظهور البروتين أو الدم في البول أو حدوث تورم في الساقين.
وقد يتأثر القلب أو الرئتان، فتظهر آلام في الصدر أو صعوبة في التنفس.
وفي حالات أخرى، يمكن أن يتأثر الجهاز العصبي، فتظهر أعراض عصبية مختلفة.
ولهذا لا ينبغي التعامل مع الذئبة باعتبارها مجرد مرض جلدي.
هل الذئبة الحمراء معدية؟
لا.
هذه نقطة مهمة جدًا.
الذئبة مرض مناعي ذاتي وليست عدوى، ولا تنتقل بين الأشخاص عن طريق المصافحة أو العناق أو مشاركة الطعام أو العيش مع الشخص المصاب.
كما أن الإصابة بها ليست نتيجة «ضعف» أو تقصير من المريض، وإنما ترتبط بعوامل بيولوجية معقدة.
هل يمكن الوقاية من المرض؟
حتى الآن، لا توجد طريقة تضمن منع الإصابة بالذئبة لدى الشخص الذي لديه استعداد لها.
لكن يمكن تقليل بعض المحفزات التي قد تزيد نشاط المرض لدى المصابين.
ويأتي في مقدمتها الأشعة فوق البنفسجية، إذ يمكن أن تؤدي أشعة الشمس إلى تفاقم بعض أعراض الذئبة لدى بعض المرضى.
لذلك يُنصح بالحماية من الشمس، باستخدام واقٍ شمسي مناسب، وارتداء الملابس الواقية، وتجنب التعرض المباشر والمطول للشمس.
كما يُنصح بتجنب التدخين، والحفاظ على نشاط بدني مناسب، واتباع نظام غذائي متوازن، والحصول على نوم كافٍ، والالتزام بالعلاج والمتابعة الطبية.
تحليل واحد لا يكفي لتشخيص الذئبة
من المعلومات المهمة التي يجب معرفتها أن تشخيص الذئبة لا يعتمد على تحليل واحد فقط.
قد يطلب الطبيب تحاليل مختلفة، من بينها اختبار الأجسام المضادة للنواة «ANA»، إضافة إلى تحاليل أخرى للدم والبول وفحوص مرتبطة بالأعضاء التي يُشتبه في تأثرها.
والأهم أن نتيجة ANA الإيجابية لا تعني وحدها أن الشخص مصاب بالذئبة، ولذلك يجب تفسيرها في ضوء الأعراض والفحص الطبي وبقية النتائج.
هل يمكن التعايش مع الذئبة؟
نعم، يمكن السيطرة على المرض لدى كثير من المصابين من خلال العلاج والمتابعة المناسبة.
ويختلف العلاج بحسب حالة كل مريض، والأعضاء المتأثرة، وشدة النشاط الالتهابي.
وقد تهدأ الأعراض لفترات، ثم تعود على شكل نوبات، لذلك تبقى المتابعة الطبية المنتظمة ضرورية حتى خلال فترات التحسن.
متى يصبح الأمر مقلقًا؟
إذا كان الشخص يعاني من مجموعة أعراض متكررة مثل:
• تعب شديد ومستمر
• آلام أو تورم في المفاصل
• طفح جلدي متكرر
• حساسية شديدة تجاه الشمس
• تساقط غير معتاد للشعر
• تقرحات متكررة في الفم
• حرارة دون سبب واضح
• تورم في الساقين أو تغيرات غير طبيعية في البول
فمن الأفضل عدم تجاهل الأمر ومراجعة الطبيب لتقييم الحالة.
أما ضيق التنفس المفاجئ، أو ألم الصدر الشديد، أو ظهور أعراض عصبية مفاجئة، فتحتاج إلى تقييم طبي عاجل.
الذئبة الحمراء.. المرض الذي يحتاج إلى وعي أكثر من الخوف
قد تبدو الذئبة الحمراء مخيفة بسبب قدرتها على التأثير في أعضاء مختلفة، لكن الخوف وحده لا يساعد على مواجهتها.
الوعي بالأعراض، والتشخيص المبكر، والمتابعة المنتظمة، والالتزام بالعلاج، كلها عوامل مهمة في إدارة المرض وتقليل مضاعفاته.
فليس كل تعب ذئبة، وليس كل طفح ذئبة، وليس كل ألم مفاصل ذئبة.. لكن الأعراض المتكررة التي لا تجد تفسيرًا تستحق أن تُسمع، وأن تُفحص، وألا تُترك للصدفة.
الذئبة قد تبدأ بإشارة صغيرة.. لكن الوعي بها قد يكون الخطوة الأولى لحماية صحة الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا