أراء وكتاب

تهاوي الخطاب الحزبي وصدمات المشهد السياسي المغربي الراهن

​يجتاز المغرب في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه السياسي والاجتماعي مخاضاً عسيراً ومنعطفاً استثنائياً تتداخل فيه إكراهات الأزمة المعيشية الطاحنة مع رجات الهزات الحزبية المتتالية، حيث تتحول الساحة الوطنية يومياً إلى حلبة صراع صاخبة تعكس عمق الاحتقان والتوتر الناجم عن التسابق المحموم نحو محطة الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وفي صدارة هذا المشهد المأزوم تبرز تداعيات التسريبات الصوتية المنسوبة لرئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي، التي شكلت زلزالا سياسيا كشف عن المستور في كواليس التدبير الحزبي وصراعات الكواليس، وأشعلت فتيل سجالات عارمة بين مختلف الفرقاء، ما استدعى ردود فعل قوية وتفاعلات ميدانية وازنة قادها فوزي لقجع وأطراف حكومية أخرى في محاولة لرتق الصدوع وضبط إيقاع الأغلبية الحاكمة في وجه التصدعات المتلاحقة، وسط هجمات خطابية ومزايدات شعبوية لا تقل خطورة يقودها زعماء حزبيون كمثل التصريحات المثيرة للجدل لعبد الإله بنكيران، والتي تسعى باستمرار لبخس المكتسبات الوطنية وتأجيج الخطاب العدمي وتسميم المجال العام بخطابات التشكيك والعدمية المتهورة.
​ولا يمكن فصل هذا السياق الحزبي المتصدع عن جحيم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تكتوي بنارها الأسر المغربية، وعلى رأسها لهيب أسعار المحروقات الذي بات يثقل كاهل المواطن البسيط ويقوض القدرة الشرائية لعموم الفئات المتوسطة والهشة، وهو الضغط المعيشي المتزايد الذي شكل التربة الخصبة لتغذية حالة العزوف السياسي المتفاقمة وأفرز مظاهر سوسيولوجية مقلقة وصادمة كالهروب الجماعي للشباب نحو تخوم الثغور المحتلة في سبتة، في مشاهد مأساوية وظفتها بخبث جهات مناوئة وأطراف مشبوهة ترتدي زيفاً عباءة المعارضة الحقوقية والسياسية لشن حملات مسعورة ومنسقة تستهدف تقويض الثوابت والنيل المباشر من المؤسسات الملكية والأمنية السيادية، بغية ترويج سوداوية مقيتة تطمس معالم دولة مغربية عريقة امتدت جذورها الراسخة في أعماق التاريخ لأزيد من اثني عشر قرناً من الاستمرارية والمجد والسيادة والوحدة الوطنية.
​وقد تفاقمت هذه التجاذبات لتصل إلى مستوى غير مسبوق من التراشق الخطير وحرب الاتهامات المتبادلة بين مكونات المشهد الحزبي، لا سيما بين حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، وهو التوتر الذي تجسد بوضوح في الملفات الثقيلة والأرقام المالية الخيالية المفزعة التي تقذف بها الكواليس السياسية إلى واجهة الأحداث، متمثلة في تفاصيل شكاية البرلماني المسجون رشيد الفايق وما رافقها من معطيات صادمة حول أموال طائلة قدرت بنحو سبعة ملايير سنتيم عُايِنت داخل صندوق سيارات لتمويل المحطات الانتخابية، إلى جانب تداول أرقام فلكية تصل إلى 280 مليار تؤجج صراع “الفراقشية” ووسطاء الانتخابات وتكشف عن الوجه القبيح لزواج المال بالسياسة وفساد التزكيات.
​وإن هذه الظروف المأزومة والمحفوفة بالمخاطر المتربصة بالاستقرار بقدر ما تحمل في طياتها تحديات جسيمة لاستهداف الجبهة الداخلية وتفكيك النسيج المجتمعي، فإنها توفر في المقابل فرصة تاريخية حاسمة لا تعوض لقطع الطريق نهائياً على تجار الأزمات ووسطاء الريع الحزبي، وهو ما يفرض على كافة المواطنين الغيورين وعياً سياسياً عميقاً بحساسية الرهانات القادمة والتوجه بكثافة غير مسبوقة صوب صناديق الاقتراع لممارسة واجبهم الدستوري والوطني في اختيار الكفاءات الوطنية الحرة والبدائل الجادة القادرة على حماية مقدسات الوطن والارتقاء بتطلعاته، إذ إن الاستمرار في نهج العزوف السلبي والمقاطعة العدمية لن يفضي إلا إلى إعادة إنتاج نفس المشهد الحزبي العاجز والوجوه المستهلكة التي أفرزت الأزمات الراهنة، بينما تظل المشاركة الشعبية الواسعة واليقظة الواعية هي السلاح الوحيد المتبقي لإصلاح المنظومة من داخل المؤسسات وتحصين المسار الديمقراطي للمملكة في وجه كل العواصف والمؤامرات المتربصة بريادتها واستقرارها، مع دعوة صريحة ومباشرة لكافة أبناء الشعب المغربي للخروج بكثافة وازنة للتصويت على من يختارونه بإرادتهم الحرة لضمان التغيير الإيجابي، أما الاستمرار في قاطرة العزوف فسيخلق حتماً مشهداً حزبياً هزيلاً ونسخة مكررة لا تختلف عن المشهد الحالي المأزوم.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا