
كان العمل السياسي، أو مجرد التعاطف مع السياسيين، جريمةً في حدّ ذاتها، تجبرك على العيش في خوف من الاختطاف أو تدفنك في أروقة السجون وغيابات الجبّ، حيث تتذوق كل صنوف العذاب. ومع الوقت، برز مناضلون في أزمنة معينة أعادوا بعض التوازن إلى المجتمع، وقبلت بعض الأنظمة العربية على مضض الانفتاح السياسي تاركةً لها بعض هوامش التفكير والاختلاف.
غير أن المتابع للشأن السياسي في بلداننا اليوم سيلاحظ مفارقة غريبة: أحزاب تتناسل بكثرة، والقاسم المشترك بينها هو تهافتها على ضم أصحاب المال وهواة المصالح، كلٌّ يرتدي رداء السياسة الممسوخة بالمصالح، بدلًا من أن تستقطب أطرًا تمدّ الدولة والحكومة بكفاءات تزيّن وجهها الداخلي قبل الخارجي.
أصبحت هذه الأحزاب حصانةً لمن يشرّعون قوانين تضرب لقمة المجتمع وتهدد استقراره، مع بعض الاستثناء، وهو ما بدأت تستشعر عواقبه بعض الأنظمة بعد موجات الغضب المتتالية التي هبّت من الشرق والغرب، قادها الشباب تارةً، وأطفال تارةً أخرى. لذلك بات لزامًا على الدول العربية تخليق الحياة السياسية لمواجهة هذا الرداء المرقّع الذي أفسد السياسة وأفقدها حلاوتها، وصناعة رجال سياسيين يتركون بصماتهم ويجنّبون بلداننا الصدمات الكبرى التي عرفتها بعض الأمم التي مرت بنفس التجارب.
المطلوب حاليًا هو جيل جديد من السياسيين، لا نقول ثوريًّا على الأنظمة، بل ثوريًّا في الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي، يساهم في بناء وطن عصري، يحلم فقيره بعيش كريم، ويؤدي غنيّه الضرائب دون أن ينال امتيازات خلف الكواليس.
وخلاصة القول إن إصلاح الحياة السياسية لا يبدأ بكثرة الأحزاب، بل بجودتها. فالحزب الذي لا يحاسب أعضاءه، ولا يفتح أبوابه للكفاءات، ويجامل أصحاب المال والنفوذ، ولا يقدّم برنامجًا واقعيًّا يتماشى مع اقتصاد البلد، على الدولة أن تحاسبه حتى لا يبقى الانتهازي أو غيره يعرقل حتى طموحات الدولة في بنائها الإصلاحي.






