عربية وشرق اوسط

​​تداعيات الصراع الاستراتيجي في الخاصرة اليمنية الجنوبية

تشهد الساحة اليمنية في الراهن تحولات عسكرية وسياسية بالغة الخطورة تجاوزت بحدودها الأطر التقليدية للحرب الأهلية لتلتحم بخرائط نفوذ إقليمية ودولية معقدة، حيث تفجرت الأزمة مجدداً مع إقدام جماعة الحوثي على تحركات ميدانية واسعة وسيطرتهم الاستراتيجية على محاور بالغة الحساسية بمحاذاة الممرات المائية الدولية ولا سيما في الساحل الغربي ومضيق باب المندب، مستندة في ذلك إلى ترسانة ضخمة موروثة من مقدرات الجيش اليمني السابق، فضلاً عن شحنات نوعية من الصواريخ الباليستية والطائرات المُسيّرة الانتحارية التي يتم تهريبها وتطويرها محلياً بتكنولوجيا متقدمة وخبرات لوجستية وتقنية تتلقاها الجماعة من شبكات إقليمية مرتبطة بإيران لتعزيز قدراتها الهجومية وتهديد خطوط الملاحة الدولية ومصادر الطاقة العالمية.
وقد أحدث هذا التقدم الميداني للحوثيين هزة استراتيجية كبرى في منظومة الأمن القومي الخليجي، وتحديداً على حدود المملكة العربية السعودية التي وجدت نفسها أمام معادلة ميدانية ضاغطة تدفعها نحو إعادة تموضع عسكري واسع النطاق، في وقت تنتشر فيه قوات الجيش الوطني اليمني والتشكيلات العسكرية المساندة كألوية العمالقة وقوات المقاومة الوطنية والقبائل، والتي تمر بتراكمات وتشكيلات مناطقية متعددة خضعت طويلاً لضغوط التهدئة الدولية، قبل أن تعود لإطلاق عمليات مباغتة لاختراق خطوط الدفاع الحوثية وتهديد طرق الإمداد الرئيسية في جبهات البيضاء والجوف ومحيط تعز، وسط تفاقم مأساوي للمشهد الإنساني ونزوح عشرات الآلاف من المدنيين الهاربين من جحيم المواجهات المحتدمة بعد تهاوي الهدنة ووصول مسارات التسوية السلمية إلى طريق مسدود.
​وعلى صعيد الاتصالات السياسية العليا وغرف العمليات الدبلوماسية المغلقة التي ترسم عادة الخطوط الخلفية للأزمات، كشفت التقارير الاستخباراتية والمتابعات رفيعة المستوى عن حراك سياسي مكثف وتواصل مباشر جرى مؤخراً تمثل في إجراء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اتصالات ومباحثات مع الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب تركزت بشكل أساسي على مطالبة واشنطن باتخاذ موقف حازم وشن ضربات عسكرية موجهة ضد مواقع الحوثيين لاحتواء التهديدات المتصاعدة وضبط إيقاع التمدد، غير أن المعطيات الدبلوماسية المتقاطعة أظهرت تحفظاً أمريكياً ورفضاً رئاسياً لشن ضربات واسعة النطاق أو الانخراط المباشر في حرب استنزاف برية جديدة، والاكتفاء بتفعيل مسارات التنسيق الاستخباراتي ولوجستيات الاستهداف وتأمين خطوط الملاحة عبر القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) دون التورط في مواجهة مفتوحة، بينما ترددت أنباء عن اتصالات ومقترحات غير مباشرة قدمها الحوثيون لتفادي التصعيد الأمريكي المباشر.
​يعكس هذا المشهد المركب حساسية بالغة في إدارة التوازنات الكبرى وتجنب الانزلاق نحو صراع إقليمي شامل قد تفجر تداعياته استقرار الشرق الأوسط برمته لصالح أجندات إقليمية ودولية متقاطعة تسعى لتوظيف الورقة اليمنية في صراع النفوذ العالمي، وسط مساعٍ عربية ودولية مستميتة لإحياء خيارات الحوار السياسي وتثبيت وقف لإطلاق النار يمنع انزلاق البلاد نحو حافة الانهيار الشامل ويعيد ترميم المظلة الدبلوماسية المأزومة في ظل معادلة معقدة تتداخل فيها جبهات القتال الميدانية مع حسابات القوى العظمى في مياه البحر الأحمر وخليج عدن.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا