
أولاً: الصيام في الشريعة اليهودية.. من عذابات التوبة إلى تذكار الهيكل:
تضرب شعيرة الصيام في اليهودية بجذورها في أعماق العهد القديم، حيث لا يُنظر إليها كمجرد طقس تعبدي، بل كفعل “تذليل للنفس” (Inui Nefesh) يهدف إلى استمطار الرحمة الإلهية والتكفير عن الخطايا الجماعية والفردية. الصيام في الفكر اليهودي التشريعي ينقسم إلى قسمين: صيام توراتي وصيام حاخامي تاريخي. أما الصيام التوراتي الأبرز فهو “يوم كيبور” (يوم الغفران)، وهو الصيام الوحيد المفروض بنص صريح في أسفار موسى الخمسة، حيث يقول النص في سفر اللاويين (16: 29): “يكون لكم فريضة دهرية، أنكم في الشهر السابع في عاشر الشهر تذللون نفوسكم، وكل عمل لا تعملون.. لأنه في هذا اليوم يكفر عنكم لتطهيركم من جميع خطاياكم”.
هذا الصيام ليس انقطاعاً عن الطعام فحسب، بل هو حالة قصوى من التقشف تستمر لخمس وعشرين ساعة متواصلة، يمنع فيها اليهودي من ستة أمور دقيقة: الأكل، الشرب، الاستحمام، الادهان، انتعال الأحذية الجلدية، والمعاشرة الزوجية. ويذهب شراح التلمود إلى أن الغرض من الصيام هو التشبه بالملائكة الذين لا يأكلون ولا يشربون، سعياً وراء الصفاء الروحي التام. وإلى جانب “يوم الغفران”، تفرض الشريعة اليهودية أصواماً تاريخية مرتبطة بخراب الهيكل الأول والثاني، وأبرزها صيام “تاسع آب” (Tisha B’Av)، حيث يسود الحزن والحداد والامتناع عن الزينة، وصيام “جدليا” و”عشرة طيبيت”، وهي أصوام ترمي في جوهرها إلى ربط الفرد اليهودي بتاريخه المأساوي وتذكيره بضرورة العودة إلى الله لتجنب العقاب اللاحق بالأسلاف.
ثانياً: الصيام في المسيحية.. منهج الزهد الروحي والشركة في آلام السيد المسيح:
ينتقل مفهوم الصيام في المسيحية من الإطار القانوني الصارم الذي عرفته اليهودية إلى إطار روحي تنسكي، حيث يُعتبر الصيام وسيلة لتقوية الإرادة وقمع الشهوات الجسدية لإعطاء الروح فرصة للسيادة والاتصال بالخالق. تنطلق المشروعية المسيحية للصيام من صيام السيد المسيح نفسه في البرية، كما ورد في إنجيل متى (4: 1-2): “ثم أُصعد يسوع إلى البرية من الروح ليجرب من إبليس، فبعدما صام أربعين نهاراً وأربعين ليلة جاع أخيراً”. ومن هنا استمدت الكنيسة “الصوم الكبير” الذي يسبق عيد القيامة، كفترة من التوبة والتحضير الروحي.
تتنوع تفاصيل الصيام المسيحي بتنوع الطوائف، لكنها تشترك في مبدأ “الانقطاع” و”تغيير نوع الطعام”. في التقاليد الأرثوذكسية والكاثوليكية القديمة، يبدأ الصيام بفترة انقطاع كامل عن الطعام والشراب من منتصف الليل أو الفجر وحتى ساعة معينة (عادة الظهر أو العصر)، يعقبها تناول طعام “نباتي” يخلو من اللحوم ومشتقاتها (الألبان، الأجبان، البيض)، وهو ما يسمى “الصيام عن الزفرين”. ويركز الآباء القديسون في تعاليمهم على أن الصيام عن الطعام لا قيمة له دون “صيام اللسان والجوارح”؛ فالقديس باسيليوس الكبير يقول: “لا تحصروا فضيلة الصوم في الامتناع عن الأكل وحده، لأن الصوم الحقيقي هو الابتعاد عن الشر”. كما تُعرف الكنيسة أصواماً أخرى مثل “صوم الميلاد” و”صوم الرسل” و”صوم العذراء” وكلها تدور في فلك الانضباط الجسدي والزهد الاختياري للارتقاء بالنفس البشرية إلى ملكوت الروح، مع التأكيد الدائم على الوصية الإنجيلية: “ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين.. لكي لا تظهر للناس صائماً بل لأبيك الذي في الخفاء” (متى 6: 16).
ثالثاً: الصيام في الإسلام.. شريعة التقوى ومنظومة التزكية الشاملة:
يأتي الصيام في الإسلام كبناء تشريعي متكامل الأركان، وهو الركن الرابع من أركان الدين، وقد فُرض ليكون مدرسة سنوية لتهذيب النفس وتحقيق “التقوى” التي هي الغاية القصوى من الخلق. يقول الله تعالى في محكم التنزيل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183). الصيام الإسلامي يتميز بدقة التوقيت وشيوع التطبيق، فهو إمساك تام عن المفطرات (طعام، شراب، جماع) من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، نيةً وقربةً إلى الله عز وجل.
وتفصل الأحاديث النبوية الشريفة فلسفة هذا الصيام، فهو ليس مجرد جوع وعطش، بل هو “جنة” (أي وقاية)، كما في قول النبي ﷺ: “الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب”. وفي الحديث القدسي العظيم ينسب الله الصيام لنفسه تشريفاً: “كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به”. ويتعمق الفقهاء والمربون كالإمام الغزالي في “إحياء علوم الدين” بتقسيم الصيام إلى مراتب دقيقة: “صوم العموم” وهو كف البطن والفرج، و”صوم الخصوص” وهو كف الجوارح عن الآثام، و”صوم خصوص الخصوص” وهو صوم القلب عن الالتفات لغير الله. إن الصيام في الإسلام لا يقف عند حدود الامتناع البدني، بل يمتد ليشمل أبعاداً اجتماعية وتكافلية، حيث يشعر الصائم بآلام المحرومين، مما يستوجب “صدقة الفطر” في نهاية الشهر لتطهير الصائم وإطعام المساكين. وبذلك، يقدم الإسلام الصيام كمنظومة تشريعية توازن بين حاجات الجسد وطموحات الروح، وتصقل إرادة الإنسان ليكون سيداً لشهواته لا عبداً لها.
رابعاً: رخص الإفطار ومآلات الختام.. موازنة المشقة بالفرح في الشرائع الثلاث:
تتجلى رحمة التشريع في الشرائع الثلاث عبر إقرار رخص واضحة لمن يعجز عن الصيام، ففي اليهودية، يُعفى المرضى الذين يمثل الصيام خطراً على حياتهم (Pikuach Nefesh)، والنساء بعد الولادة، التزاماً بمبدأ أن “الشريعة لكي يحيا بها الإنسان لا ليموت بها”. أما في المسيحية، فتضع الكنيسة استثناءات مرنة للمرضى والأطفال وكبار السن، حيث يُسمح لهم بالإفطار أو تخفيف القيود النباتية بناءً على الإرشاد الروحي. وفي الإسلام، وضع القرآن دستوراً للرخص بقوله: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، مراعاةً للضعف البشري العارض. وبانتهاء فترات التذلل والزهد، تشرق الأعياد كجائزة روحية؛ فيتوج صيام رمضان بـ “عيد الفطر” الذي يحرم صومه احتفاءً بنعمة الإتمام، وينتهي الصوم الكبير في المسيحية بـ “عيد القيامة” (الفصح) الذي يمثل انتصار الحياة والروح، فيما يُختتم “يوم كيبور” في اليهودية بوجبة احتفالية وصلاة “نعيلاه”، تعبيراً عن الرجاء في غفران الخطايا وبداية صفحة جديدة مع الخالق.








