اسلاميات

نفحات المغفرة: في رحاب العشر الأواسط من شهر رمضان المبارك

يعد شهر رمضان المبارك بمثابة المحطة الإيمانية الكبرى في حياة المسلم، وهو مقسم بفضله ورحمته إلى محطات ثلاث، تمثل العشر الأواسط منها “قلب الشهر” وواسطة عقده الثمين، وهي الأيام التي تمتد من اليوم الحادي عشر وحتى العشرين من الشهر الفضيل. إن المتأمل في نصوص الوحي والآثار الواردة يجد أن هذه الأيام خُصصت في الوجدان الإسلامي بكونها “أيام المغفرة”، استناداً إلى الحديث المشهور الذي يرويه سلمان الفارسي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: “وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار”. ورغم أن العلماء قد أشاروا إلى أن رحمة الله ومغفرته وعتقه لا ينقطعان طوال الشهر، إلا أن تخصيص الأواسط بالمغفرة يحمل دلالة تربوية عميقة؛ فالعبد بعد أن استأنس بالصيام في العشر الأولى وتنزل عليه بركات الرحمة، يصبح في العشر الأواسط أكثر تهيؤاً للتطهر من الذنوب والإنابة الكاملة لرب العالمين.
​وتتجلى عظمة هذه العشر في كونها تمثل مرحلة “المجاهدة والاستمرارية”، ففيها يختبر صدق الصائم، حيث تخبو حدة الحماس التي بدأت في أول الشهر، وهنا تظهر فضيلة الصبر والمصابرة. وقد كان السلف الصالح يعظمون هذه الأيام بالاستغفار المكثف، معتبرين أن المغفرة هي الثمرة الكبرى للصيام، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: “من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه”. وفي هذه الأيام تحديداً، يندب للمسلم أن يطرق باب “الغفار” بقلب حاضر، مستحضراً قول الله تعالى في الحديث القدسي: “يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم”. إنها أيام التخلية قبل التحلية، أي التخلي عن الأوزار والذنوب عبر التوبة النصوح، استعداداً لاستقبال العشر الأواخر التي هي ذروة العبادة وعتق الرقاب.
​ومن الأقوال المأثورة في فضل هذه الأيام، ما ذهب إليه ابن رجب الحنبلي في “لطائف المعارف”، حيث بيّن أن صيام الأوساط يروي ظمأ الأرواح التي نهلت من الرحمة في البداية، فالمغفرة تأتي لتمحو أثر التقصير الذي قد يقع فيه العبد في مستهل الشهر. كما أن هذه العشر تشهد حدثاً تاريخياً وإسلامياً عظيماً، وهو “غزوة بدر الكبرى” التي وقعت في السابع عشر من رمضان، وهو اليوم الذي سماه الله عز وجل “يوم الفرقان”، مما يضفي على هذه العشر صبغة النصر والتمكين وتأييد الله لعباده المؤمنين. لذا، فإن الجمع بين فضيلة الصيام والذكر وبين استحضار معاني النصر والثبات يجعل من هذه الأيام فرصة لا تعوض للمراجعة الذاتية. ويستحب للمسلم فيها الإكثار من دعاء “اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره”، والحرص على صلاة التراويح وقيام الليل، إذ أن المغفرة منوطة بالقيام أيضاً كما في الحديث: “من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه”. إنها دعوة لكل مؤمن بأن لا يفتر عزمه، وأن يستمسك بحبل الله المتين في هذه الأيام المباركة، طامعاً في أن يشمله وعد الله بالمغفرة الشاملة التي تجعل صحيفته بيضاء نقية، تمهيداً للفوز الكبير في ختام الشهر الكريم.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا