اسلاميات

​التوفيق بين القدر المحتوم وحرية إرادة الإنسان

​إن قضية القدر والاختيار هي المحور الأصيل الذي يلتقي فيه علم الله المطلق بمسؤولية الإنسان الأخلاقية، ولعل أول ما يجب استحضاره لرفع الغموض عن هذا التعارض الظاهري هو الفرق الجوهري والدقيق بين “علم الله الأزلي” وبين “إجبار العبد على الفعل”. فالله عز وجل، بصفته الخالق المحيط بالزمان والمكان، يعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، وهذا العلم الإلهي رصدٌ دقيق وتدوين في اللوح المحفوظ لما سيختاره العبد بمحض إرادته، وليس قيداً يضطرهم لسلوك طريق بعينه؛ فالعلم هنا كاشف للواقع وليس منشئاً له، تماماً كما يعلم العالم الرباني بطباع تلميذه فيتوقع مساره، فلا يكون علمه هو الذي سير التلميذ، بل هو إحاطة بطبيعة اختياراته. وعندما يقرأ الإنسان المتدبر قوله سبحانه: “وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا” (الكهف: 29)، يدرك بجلاء أن الله أثبت للإنسان مشيئة حقيقية وقدرة ذاتية هي مناط التكليف وأصل الحساب، فلو كان الإنسان ريشة في مهب القدر لا يملك من أمره شيئاً، لكان إرسال الرسل وإنزال الكتب وقيام الحساب ضرباً من العبث، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، إذ كيف يعاقب العادلُ أحداً على فعلٍ أُكره عليه؟ إن الله وهبنا العقل ميزاناً للتمييز، ومنحنا الإرادة أداةً للتنفيذ، وجعل القدر المحتوم وعاءً شاملاً يحيط بكل هذه الخيارات دون أن يصادرها، فنحن نتحرك داخل دائرة المشيئة الإلهية العامة التي سمحت لنا بالاختيار لتتحقق الغاية من الاستخلاف والابتلاء. ويبرز البرهان الساطع على استقلالية الإرادة البشرية في قوله تعالى: “وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ” (البقرة: 195)، فهذا النهي الإلهي الصريح يفترض بالضرورة أن الإنسان يملك زمام المبادرة والقدرة على تجنب الموارد المهلكة، فلو كان القدر قد فرغ من موت الإنسان أو حياته بمعزل عن فعله، لما كان للنهي عن التهلكة أثر، ولتعطلت قوانين السببية التي أقام الله عليها الكون؛ فالحق أن الله قدر النتائج وربطها بأسبابها، فقدر أن من شرب السم مات، ومن سلك طريق النجاة نجا، فالفرار من قدر الله يكون دائماً إلى قدر الله.
​وإذا تساءل السائل: هل السرقة أو الزنى فعلها العبد قضاءً وقدراً أم بمشيئته واختياره؟ فالجواب اليقيني هو أن المعصية قضاء وقدر من حيث علم الله وإحاطته، فلا يقع في ملك الله شيء لا يعلمه أو لم يكتبه في اللوح المحفوظ أزلاً، لكنها فعل العبد اختياراً واكتساباً؛ فالإنسان حين يقدم على السرقة، لا يشعر بقوة خفية تدفع يده للسرقة رغماً عنه، بل يخطط ويقرر ويختار الوقت والمكان ويمشي بقدميه، وهذا “الاختيار” هو الذي يحاسب عليه الإنسان لقوله تعالى: “كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ” (المدثر: 38)، فلو كان الله هو من أجبر السارق على السرقة ثم عاقبه عليها، لكان ذلك ظلماً، والله منزه عن الظلم لقوله تعالى: “مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ” (فصلت: 46). وتتجلى روعة التوفيق بين المشيئة الإلهية الكونية والمشيئة البشرية الجزئية في قوله سبحانه: “لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ” (التكوير: 28-29)، حيث جمعت الآيتان بين إثبات مشيئة العبد في الاستقامة وبين إرجاع هذه المشيئة إلى خالقها الذي أذن لها بالوجود والأثر، فلا يقع في كون الله ما لا يريده كونا، لكنه يرضى لعباده الإيمان ولا يرضى لهم الكفر شرعاً.
​وحين يتساءل العبد: هل يقدر الإنسان أن يرجع عن فعل المعصية ويمحو قدره؟ فالجواب أن الإنسان لا يمحو القدر، بل هو ينتقل من قدر إلى قدر؛ فإذا عزمتَ على المعصية ثم تراجعتَ وتبتَ، فأنت لم تغيّر علم الله، لأن الله علم في الأزل أنك ستعزم ثم تتراجع، وكتب في اللوح المحفوظ النتيجة النهائية لاختيارك، فالمحو والإثبات يقع في صحف الملائكة لقوله تعالى: “يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ” (الرعد: 39)، أما “أم الكتاب” فهو العلم النهائي الذي لا يتبدل، لأن الله كتب ما علم أنك ستفعله مختاراً، فالله كتب لأنك ستفعل، ولم تفعل لأن الله كتب. ومع هذا العلم المحيط، قد يثور سؤال في النفس: لماذا جعل الله لأناس خاتمة تؤدي بهم للجنة ولآخرين خاتمة تؤدي بهم لجهنم؟ ولماذا لم يغير قدر العاصي كما قدر الأقدار الطيبة للمؤمن؟ والحقيقة أن الله لم يغير قدر العاصي قسراً لأنه احترم الإرادة والحرية التي وهبه إياها؛ فلو أجبر الله الجميع على الصلاح لانتفت الغاية من الابتلاء، ولصار البشر كالملائكة أو الآلات المسيرة، وحينها لا معنى للثواب أو العقاب. إن الهداية من الله تأتي لمن سلك أسبابها، والضلال يقع على من اختاره وأعرض، لقوله تعالى: “فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ” (الصف: 5)، فالخاتمة هي ثمرة لما يضمره القلب؛ فالله لا يظلم أحداً، وحسن الخاتمة منحة للصادقين، وسوء الخاتمة جزاء لمن أصر على الزيغ والرياء فيما لا يبدو للناس.
​ولتقريب المعنى لمن يستعصي عليه الفهم المجرد، فليتأمل في حياته اليومية؛ فهو يختار طعامه بدقة، ويهرب من الأسد إذا رآه، ويجتهد في عمله ليجني المال، ولا يقول في هذه الأمور “أنا مجبر”، بل يمارس كامل حريته، فكيف إذا جاء الأمر للدين والآخرة ادعى الجبر؟ إن القدر غيب مكنون لا يعرفه الإنسان إلا بعد وقوعه، أما “الأمر والنهي” فهو ظاهر معلوم، والعاقل هو من يعمل بالمعلوم ليتقي شر المكتوم، مستنداً إلى أن عدل الله يقتضي ألا يحاسب نفساً إلا بما كسبت يداها، لقوله تعالى: “لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ” (البقرة: 286)، فالاكتساب هو فعل الإنسان الذي تلبس به بإرادته، والقدر هو علم الله المحيط بهذا الاكتساب، وبهذا يستقيم ميزان العدل وتتضح الرؤية لمن ألقى السمع وهو شهيد.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا