
من رحم التاريخ تشرق مآذن القدس وتتحرك القلوب نحو بقعة بارك الله حولها وجعلها ملتقى الأرض بالسماء، فالمسجد الأقصى المبارك ليس مجرد بناء من حجر وطين، بل هو عقيدة متجذرة في وجدان الأمة الإسلامية وتاريخ حي يروي قصة الرسالات السماوية على هذه الأرض المباركة. تبدأ حكاية هذا المكان المقدس منذ فجر الإنسانية، حيث تشير المصادر التاريخية والحديثية المستندة إلى صحيح السنة النبوية، كما في حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، إلى أن المسجد الأقصى هو ثاني مسجد وضع في الأرض بعد المسجد الحرام، وكان بين بنائهما أربعون سنة. هذا التحديد الزمني الموغل في القدم يرفع المسجد الأقصى إلى مرتبة التأسيس الأول للتوحيد، حيث تذهب آراء المحققين من أهل العلم والمؤرخين، مثل ابن الجوزي وابن حجر العسقلاني، إلى أن بانيه الأول هو آدم عليه السلام، أو الملائكة بأمر من الله تعالى، ليقترن وجوده بوجود الإنسان على هذه البسيطة، وليكون منارة للهدى قبل أن تتوزع الأمم والقبائل.
ومع تعاقب القرون وتوالي الأنبياء والرسل، تجددت عمارة هذا المكان المقدس وتوالت عليه الرعاية الربانية، فكان هجرة للأنبياء ومحط رحالهم، إذ جدد بناءه الخليل إبراهيم عليه السلام، ثم نهض بعمارته نبي الله داود عليه السلام، وأتم بناءه وتشييده على نحو عظيم وولده سليمان عليه السلام، وهو ما تؤكده الروايات التاريخية القديمة ككتاب “تاريخ الرسل والملوك” للطبري و”البداية والنهاية” لابن كثير، حيث دعا سليمان عليه السلام ربه عند فراغه من البناء دعوات استجيبت له، منها ألا يأتي هذا المسجد أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. لقد تعاقبت على بيت المقدس أمم شتى صبغت التاريخ بدمائها وحضاراتها، من الكنعانيين اليبوسيين الذين كانوا أول من استوطن القدس وبنوا نواة مدينتها، إلى الفراعنة والآشوريين والبابليين الذين هدموا المدينة في عهد بختنصر، ثم الفرس واليونان، وصولاً إلى الرومان الذين أذاقوا المدينة ويلات الهدم والتشريد، وظلت المنطقة خاضعة للحكم البيزنطي حتى أذن الله بفجر جديد يعيد للمسجد الأقصى طهارته وتوحيده الأصيل.
يمثل المسجد الأقصى في الرؤية الإسلامية عموداً من أعمدة الدين، وقد نطق كتاب الله العزيز بقدسيته وبركته في مواضع عديدة، لعل أبرزها وأكثرها نصاعة ما افتتحت به سورة الإسراء في قوله تعالى: “سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير”، فهذا النص القرآني القاطع لم يربط بين المسجدين برباط الرحلة الإعجازية فحسب، بل أضفى صفة البركة الشاملة على المسجد وما يحيط به من أراضٍ وبقاع، وجعل الأقصى بوابة الأرض إلى السماء في ليلة المعراج، حيث أمّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالأنبياء جميعاً في محرابه، ليكون ذلك إعلاناً إلهياً بانتقال إمامة البشرية وروادها إلى الرسالة الإسلامية الخاتمة. وتتواتر الآيات التي تشير إلى بركة هذه الأرض في كتاب الله، كقوله تعالى على لسان موسى عليه السلام: “يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة”، وقوله في قصة إبراهيم ولوط عليهما السلام: “ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين”، وكذا الإشارات الواردة في سورة التين في قوله: “والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين”، حيث ذهب المفسرون كابن جرير الطبري إلى أن التين والزيتون هما إشارة كُنائية إلى منبت هذه الأشجار وموطنها في بيت المقدس.
ولا تقتصر الأقوال والشهادات على القرآن الكريم، بل إن الأنبياء صلوات الله عليهم قد عبروا عن مكانة هذا المسجد بشتى الوسائل، فكان موسى عليه السلام يسأل ربه عند موته أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، حباً وشوقاً للبقعة التي ارتبطت بالوحي والأنبياء، وكان عيسى عليه السلام يطوف في أروقته معلماً وموجهاً ومجدداً لعهد التوحيد ومحارباً للفساد الذي أحدثه الفريسيون والمتاجرون بالدين في ذلك الزمان، وقد أكد النبي محمد صلى الله عليه وسلم هذه الحرمة في أحاديث مستفيضة تحث على شد الرحال إليه، وتجعل الصلاة فيه تضاعف أضعافاً كثيرة عن غيره من المساجد، وتصفه بأنه أرض المحشر والمنشر، مما جعل الصحابة والتابعين يتسابقون للسكنى في جواره والموت في رحابه.
وفي المقابل، تحضر القدس والمسجد الأقصى في أدبيات ورؤى الأديان الأخرى، حيث يرى اليهود في جبل المعبد، وهو الموقع الذي يقوم عليه المسجد الأقصى، المكان الأكثر قدسية لديهم، معتقدين أنه يحوي بقايا هيكل سليمان، وهو ما جعل هذا المكان محوراً لصلواتهم واتجاه عباداتهم، رغم أن الأبحاث الأثرية الحديثة والمنصفة، وحتى بعض الدراسات الغربية كأعمال عالمة الآثار البريطانية كتلين كينيون، لم تعثر على أدلة مادية ملموسة تؤكد وجود الهيكل أسفل باحات الأقصى الحالية. أما في المسيحية، فإن للمكان وحوله قدسية بالغة ترتبط بمسيرة السيد المسيح عليه السلام، ودخوله إلى الهيكل وتطهيره له، بالإضافة إلى القرب الجغرافي الروحاني من كنيسة القيامة وطريق الآلام، مما جعل القدس بأكملها، وبقلبها الأقصى، محط أنظار الحجاج المسيحيين عبر العصور، وميداناً لتدبيج المصنفات والرحلات التي تصف جلال المدينة وعظمة معالمها.
شهد المسجد الأقصى تحولاً جذرياً ومنعطفاً تاريخياً حاسماً مع الفتح الإسلامي في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة خمس عشرة للهجرة، حيث تسلم مفاتيح المدينة وكتب لأهلها “العهدة العمرية” التي أمنتهم على كنائسهم وأموالهم، ورفض أن يصلي في كنيسة القيامة خشية أن يستولي عليها المسلمون من بعده، وسأل عن مكان مسجد داود، فلما جيء به إلى مكان المسجد الأقصى وكان وقتها خرباً ومغطى بالأتربة، أخذ ينظفه بردائه ومعه الصحابة، ثم بنى فيه مسجداً خشبياً بسيطاً يتسع للمصلين. وجاءت بعد ذلك الدولة الأموية لتبلغ عمارة الأقصى ذروة المجد والجمال والاتساع، حيث ركز الخليفة عبد الملك بن مروان وأكمله ولده الوليد بن عبد الملك جهودهما الهندسية والمالية لبناء المسجد الأقصى المسقوف وتشييد قبة الصخرة المشرفة ذات اللون الذهبي الأخاذ، مستعينين بأمهر المهندسين والبنائين، ومخصصين خراج مصر لسبع سنوات لإتمام هذا الصرح المعماري الفريد الذي يجمع بين جلال الهندسة الإسلامية وبهاء الزخارف الفسيفسائية، ليمتد المسجد الأقصى المبارك على مساحة تبلغ مئة وأربعة وأربعين دونماً، تشمل الجامع القِبلي وقبة الصخرة والمصليات والمساطب والآبار والأروقة كجزء لا يتجزأ من حرم واحد لا يقبل القسمة ولا الشراكة.
ولم تخلُ مسيرة الأقصى من الخطوب والمحن، إذ تعرض للاحتلال الصليبي عام ألف وتسعة وتسعين للميلاد، وتحول المسجد القِبلي إلى قصر للملوك الصليبيين ومستودع لخيولهم، وطمست معالمه الإسلامية لعقود، حتى هيأ الله الأمة لنهضتها فجاء الناصر صلاح الدين الأيوبي عام ألف ومئة وسبعة وثمانين للميلاد، ليحرر القدس ويعيد للمسجد الأقصى طهارته وبهاءه، ويحمل إليه من حلب ذلك المنبر الخشبي العظيم الذي صنعه نور الدين محمود زنكي خصيصاً لهذه اللحظة التاريخية، وهو مثال حي على التلاحم بين الفكر والتخطيط والعمل لتحرير المقدسات. وعبر العصور المملوكية والعثمانية، حظي الأقصى برعاية فائقة، فجددت القباب وحفرت الآبار وبنيت المدارس حول باحاته، وصدرت القوانين والفرمانات التي تحمي وقفه وتصون حرمته، ليبقى هذا المسجد شاهداً على هوية الأرض وعقيدة الأمة، ونبراساً تستضيء به الأجيال المتعاقبة التي ترى في الدفاع عنه وصونه جزءاً من أمانة الدين والتاريخ ومسؤولية الحاضر والمستقبل.







