أراء وكتاب

صدى الخطاب الملكي السامي في عيون مغاربة العالم قراءة تحليلية في أبعاد التوجيهات الملكية السامية

 عبد الله مشنون كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي مهتم بالشؤون العربية قضايا الهجرة والبحث في الفكر والإسلام.

في مفاصل التاريخ الحديث للأمم الكبرى لا تأتي الخطب الملكية السامية لمجرد تسجيل المواقف الظرفية بل لتشكل وثائق تأسيسية وبوصلة استراتيجية متكاملة ترسم ملامح المستقبل وتحدد الخيارات الكبرى للبلاد. وحين يُقرأ الخطاب الملكي الأخير الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله إلى البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية من زاوية نظر مغاربة العالم فإنه يتجاوز الأبعاد البرلمانية البحتة ليتحول إلى رسالة وجدانية وسياسية عميقة تخاطب ضمير كل مغربي أينما حل وارتحل. إن إطاراً وصحفياً من مغاربة المهجر يرى في هذا الخطاب امتداداً طبيعياً لمسار بناء دولة الحق والقانون والتقدم حيث تتقاطع هموم الداخل مع طموحات الخارج في بوتقة واحدة قوامها حب الوطن والغيرة على مصالحه العليا في عالم تتسارع فيه التحولات الجيو-اقتصادية والسياسية بشكل غير مسبوق.

إن الاستهلال الملكي بالتأكيد على أن أغلى إحساس هو الاعتزاز بالمغرب يلامس أوتار القلوب المهاجرة التي تعيش يومياً غربة الأجساد ودفء الانتماء. هذا الاعتزاز ليس مجرد شعور عاطفي عابر أو استعراض فلكلوري للهوية بل هو التزام أخلاقي ومسؤولية جسيمة تتحول في وجدان مغاربة العالم إلى دافع مستمر لتقديم الأفضل وتشريف الوطن في المحافل الدولية كافة. وفي ظل عالم يعج بالتقلبات والضبابية السياسية يمثل المغرب بتاريخه العريق كواحدة من أقدم الملكيات في التاريخ واحة للاستقرار وملاذاً للثقة وهو ما يفرض على الكفاءات والمغتربين أن يكونوا سفراء حقيقيين لهذه الصورة المشرقة مبرزين أن الهوية المغربية الأصيلة القائمة على التشبث بثوابت الأمة والانفتاح على الحداثة هي نموذج فريد للتعايش والريادة.

وعلى المستوى الاقتصادي والاستراتيجي رسم الخطاب الملكي ملامح مرحلة جديدة تتطلب الانتقال من مرحلة الإنجازات التقليدية إلى أفق الإقلاع الشامل والتنافسية الدولية. إن الدعوة الملحة لإطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي فضلاً عن الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي تعكس وعياً عميقاً بمتطلبات العصر الرقمي الجديد والتقلبات المناخية والاقتصادية العالمية. وهنا بالضبط يكمن الدور الجوهري لمغاربة العالم الذين راكموا خبرات هائلة في كبرى الشركات ومراكز البحث العالمية فالمغرب اليوم لا يطلب التعاطف بل يطلب الكفاءة ويدعو أبناءه في الخارج للاندماج الفعلي في الدينامية التنموية عبر جلب الاستثمارات ونقل المعرفة التكنولوجية المتقدمة وربط الجسور بين الأسواق الدولية والنسيج الاقتصادي الوطني لكي يتحول القطاع الخاص والكفاءات الوطنية إلى فاعلين حقيقيين في صنع القرار الاقتصادي وخلق فرص الشغل.

ولم يقف الخطاب عند حدود التخطيط الاقتصادي بل اخترق بعمق جوهر الحكامة الترابية والتدبير الميداني مشدداً على أن التنمية المندمجة وتحسين الخدمات العمومية يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالتفعيل الكامل للجهوية المتقدمة وميثاق اللاتمركز الإداري. إن مغاربة العالم حين يزورون أرض الوطن أو يرغبون في الاستثمار في مناطقهم الأصلية غالباً ما يصطدمون ببعض العراقيل البيروقراطية والبطء الإداري ولذلك جاءت التوجيهات الملكية الصارمة لترفع الغطاء عن هذا التماطل وتعلن بوضوح أن أي تأخير في نقل الصلاحيات والموارد إلى الجهات لم يعد مقبولاً. هذا الوضوح الملكي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الشفافية والنجاعة مما يسهل على المغاربة المقيمين في الخارج الاندماج في الدورة الاقتصادية والمحلية لمناطقهم بكل سلاسة ومسؤولية.

أما على الواجهة الدبلوماسية والجيوسياسية فقد حمل الخطاب رسائل حازمة وواضحة المعالم لا سيما فيما يتعلق بتدبير ملف الهجرة والشراكات الإقليمية والدولية. إن التأكيد الملكي القاطع على أن الشراكة مع الدول الكبرى وخاصة الجارة إسبانيا هي اختيار سيادي والتزام إرادي ولن تكون أبداً محل ابتزاز أو ضغط أو استغلال سياسي وإعلامي يعكس نضجاً سيادياً كبيراً وسلطة قرار مستقلة تدافع عن المصالح العليا للمملكة بكل شجاعة وموضوعية. ومغاربة العالم بحكم عيشهم المباشر في الدول الأوروبية واطلاعهم على خبايا النقاشات السياسية والإعلامية الغربية يدركون تمام الإدراك مدى دقة هذه الرسائل وضرورتها. إنهم يرون في هذا الموقف الدبلوماسي الحازم تعبيرباً عن مغرب الأمس واليوم القوي بنديته وثباته والذي يرفض سياسة الوصاية ويفرض احترامه على الصعيد الدولي كشريك مسؤول وموثوق يفي بالتزاماته وينتظر المثل من شركائه.

وخلاصة القول إن هذا الخطاب الملكي السامي يمثل وثيقة استراتيجية متكاملة تتجاوز القراءة السياسية العادية لترسم خارطة طريق وطنية شاملة. إنه يربط بقوة بين صلابة الجبهة الداخلية ووضوح الاختيارات الاقتصادية وحزم السياسة الخارجية. ومغاربة العالم من موقعهم المتميز كجسر بشري وثقافي واقتصادي بين الوطن وعمقه الدولي يستشعرون بمسؤولية مضاعفة للانخراط في هذه الملحمة التنموية. إنهم يؤكدون دائماً وأبداً أن الوفاء للوطن ليس شعاراً يرفع بل هو عمل ميداني مستمر والتزام أخلاقي راسخ واستعداد دائم للتضحية والبناء وفاءً للعرش العلوي المجيد وللثوابت المقدسة للمملكة المغربية الشريفة التي تسير بخطى ثابتة نحو المجد والازدهار.

Ahame Elakhbar | أهم الأخبار

جريدة أهم الأخبار هي جريدة مغربية دولية رائدة، تجمع بين الشمولية والمصداقية، وتلتزم بالعمل وفقًا للقانون المغربي. تنبع رؤيتها من الهوية الوطنية المغربية، مستلهمة قيمها من تاريخ المغرب العريق وحاضره المشرق، وتحمل الراية المغربية رمزًا للفخر والانتماء. تسعى الجريدة إلى تقديم محتوى يواكب تطلعات القارئ محليًا ودوليًا، بروح مغربية أصيلة تجمع بين الحداثة والجذور الثقافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا