
مع اقتراب محطة أكتوبر الحاسمة في مجلس الأمن الدولي واستعداد الهيئة الأممية لتقييم مستجدات ملف الصحراء المغربية تتكشف يوماً بعد يوم معالم تحول جوريلي في المقاربة الدولية للنزاع، حيث بات المنتظم الأممي يعامل مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره المرتكز الأساسي والأفق العملي الوحيد لأي تسوية سياسية جادة.
وفي هذا السياق الدبلوماسي الدقيق تأتي التحركات الأخيرة للمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا لتسلط الضوء بعمق على طبيعة الأطراف التي تعرقل مسار السلام وتصر على إدامة الجمود الإقليمي مقابل دينامية مغربية واثقة راسخة في الميدان وتنموية في الأقاليم الجنوبية. لقد أظهرت التقارير والإحاطات الأممية الأخيرة أن دي ميستورا يضع مبادرة الحكم الذاتي في صلب مشاوراته الراهنة داعياً إلى مفاوضات عملية تتجاوز صيغ الماضي المعطلة وهو ما شكّل صدمة كبرى لخصوم الوحدة الترابية للمملكة الذين وجدوا أنفسهم في زاوية ضيقة عاجزين عن مجاراة واقعية الطرح المغربي المدعوم بأكثر من مئة وثلاثين دولة وازنة على الساحة الدولية.
وفي الوقت الذي كان فيه المفترض بجبهة البوليساريو الانفصالية التقاط هذه الإشارات الأممية البناءة والانخراط بمسؤولية في مسار الحوار اختارت كعادتها الهروب إلى الأمام ومقابلة الجهود الدولية بلغة التهديد والاحتجاج العبثي فوجهت اتهامات مباشرة للوسيط الأممي بالانحياز لمجرد أنه يلامس الحقيقة الواقعية على الأرض ويحيل على جدية مقترح الحكم الذاتي ملوحة بمراجعة تعاونها مع الأمم المتحدة في سلوك يجسد بوضوح أزمة قيادة تعيشها مخيمات تندوف وفقدانها لأي مشروع سياسي حقيقي سوى ركوب موجة العرقلة.
ولا يمكن بأي حال من الأحوال فصل هذا التعنت الانفصالي عن الدور المحوري والمباشر الذي يلعبه النظام العسكري الجزائري في هندسة هذا الجمود وتمويله وإدارته خلف الكواليس فالجزائر التي تحتضن وتمول وتسلح الجبهة الانفصالية الارهابية فوق أراضيها تسخر كل مقدراتها الدبلوماسية والسياسية للوقوف سداً منيعاً أمام أي قرار أممي يكرس التفوق القانوني والسياسي للمغرب مستثمرة في تعطيل الاندماج المغاربي ومحاولة عرقلة صدور قرارات حاسمة من مجلس الأمن تنهي هذا النزاع المفتعل نهائياً.
في المقابل يواصل المغرب تعامله مع هذه الاستفزازات والمناورات بأعلى درجات التبصر والحكمة الاستراتيجية غير مبالٍ بالصرخات الاستعراضية الواهية بل مضياً بخطى ثابتة في تنزيل المشاريع التنموية الضخمة في أقاليمه الجنوبية التي تحولت إلى قطب اقتصادية وجيوسياسية ربطت إفريقيا بأوروبا والأطلسي.
إن الدبلوماسية المغربية المستندة إلى عدالة القضية والتاريخ والشرعية الميدانية تتعاطى بتعاون إيجابي مع الشرعية الدولية مع التمسك المطلق بالسيادة الوطنية الكاملة مما يجعل المجتمع الدولي اليوم أكثر اقتناعاً بأن مفتاح الحل بيد الرباط وأن العراقيل مصدرها عواصم التوتر الإقليمي ليظل الحكم الذاتي هو العنوان الأبرز والنهحي الواقعي الوحيد لطي صفحة النزاع وفتح أفق واعد للأمن والاستقرار في المنطقة.








