أراء وكتاب

حين يتكلم غوارديولا من أجل فلسطين… ماذا يفعل الذين يملكون المال والسلطة والمنابر والشهرة؟

الدكتور عبد الرحيم إبراهيم عبد الواحد

ليس كل من امتلك النفوذ امتلك الشجاعة، وليس كل من اعتلى المنصات أدرك أن للكلمة مسؤولية. وفي زمنٍ صار فيه وجع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة المنكوب خبراً يتكرر حتى يخشى العالم أن يعتاد عليه، يخرج صوت من عالم كرة القدم ليذكّرنا بأن الإنسان ليس رقماً، وأن الأطفال ليسوا تفصيلاً عابراً في نشرات الأخبار.
هناك مواقف لا تُقاس بمقدار ما يكلّف صاحبها من مال، بل بما تكشفه من ضمير. وهناك كلمات تخرج من أفواه أشخاص لم يولدوا في أرض فلسطين، ولم يحملوا جنسيتها، ولم يعيشوا تحت القصف والحصار، لكنها تلامس وجدان الفلسطينيين لأنها تنحاز إلى الإنسان حين يصبح صوته محاصراً، وحقه في الحياة موضع انتهاك.
في هذا السياق، يعود اسم المدرب الإسباني بيب غوارديولا إلى الواجهة، لا بسبب بطولة جديدة أو انتصار كروي، بل بسبب موقف إنساني أعاد طرح سؤال موجع: كيف يمكن لرجل ينتمي إلى عالم الرياضة، بكل ما فيه من منافسة وأضواء، أن يجد في مأساة فلسطين قضية تستحق الكلام، بينما يختار آخرون، ممن يملكون سلطة أوسع وثروة أكبر وجماهير أكثر، الصمت أو الاكتفاء بمواقف لا تتجاوز حدود المجاملة؟
فقد جدّد غوارديولا دعمه للشعب الفلسطيني عبر رسالة مصوّرة نُشرت على حساب وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» باللغة الإسبانية، داعياً إلى استمرار التضامن والدفاع عن الحقوق المشروعة للفلسطينيين، ومحذّراً من أن تتحول معاناة أطفال غزة ودمارها إلى مشاهد مألوفة يفقد العالم أمامها إحساسه بالمسؤولية.
إنها رسالة تتجاوز حدود كرة القدم، وتضعنا أمام امتحان أخلاقي لا يخص غوارديولا وحده، بل يخص كل إنسان يستطيع أن يتكلم، وكل صاحب نفوذ يستطيع أن يؤثر، وكل شخصية عامة تعرف أن صوتها يصل إلى ملايين البشر.
غوارديولا يذكّرنا بما يجب ألا ينساه العرب
غوارديولا ليس سياسياً عربياً، ولا رئيس دولة إسلامية، ولا زعيماً يحمل راية القضية الفلسطينية في خطاباته الرسمية. إنه مدرب كرة قدم إسباني صنع اسمه في الملاعب، وامتلك شهرة عالمية جعلت كلماته تصل إلى جمهور عابر للقارات. ومع ذلك، اختار أن يتحدث عن أطفال غزة، وعن العائلات التي تبحث عن أحبائها بين الأنقاض، وعن بشر لا يجوز اختزالهم في أرقام وتقارير.
في رسالته الأخيرة، شدد غوارديولا على أن ضحايا غزة ليسوا مجرد إحصاءات، بل أصحاب أسماء ووجوه وعائلات وأحلام وذكريات، وأن حياتهم لا تقل قيمة عن حياة أي إنسان آخر. كما دعا إلى عدم نسيان فلسطين، ومواصلة التضامن معها، ودعم الجهود الإنسانية التي تقدمها الأونروا.

وهنا تكمن أهمية موقفه: ليس لأنه يستطيع إنهاء الحرب بكلمة، ولا لأنه يملك مفاتيح الحل السياسي، بل لأنه يدرك أن الصمت العام قد يساهم في تهميش المأساة، وأن الشهرة ليست زينة اجتماعية فحسب، وإنما يمكن أن تكون وسيلة لإيصال صوت من لا يجدون منبراً.
لقد اعتاد العالم أن يرى المشاهير يتحدثون عن البطولات والأرقام القياسية والعقود الضخمة والنجاحات الشخصية. لكن القيمة الحقيقية للشهرة تظهر عندما يقرر صاحبها أن يستخدمها في قضية تتجاوز مصالحه الخاصة، وأن يضع اسمه في خدمة قضية إنسانية لا تضمن له التصفيق من الجميع.
وقد سبق لغوارديولا أن تحدث علناً عن معاناة الأطفال في غزة، معبّراً عن ألمه إزاء ما يشهده المدنيون، وداعياً إلى التعاطف والعمل من أجل حماية الإنسان. وهذا يجعل رسالته الأخيرة امتداداً لموقف معلن، لا مجرد ظهور عابر في حملة إعلامية.

هنا يبدأ السؤال الأكثر إيلاماً، والأشد إحراجاً: أين أصحاب المال والسلطة والشهرة في عالمنا العربي والإسلامي؟
إذا كان رجل من خارج عالمنا العربي يجد في نصرة فلسطين واجباً إنسانياً، فلماذا يبدو صوت بعض أصحاب النفوذ في عالمنا العربي والإسلامي أقل حضوراً من حجم ما يملكونه من إمكانات؟
السؤال لا يستهدف كل عربي أو مسلم، ولا ينكر وجود سياسيين وناشطين وفنانين وإعلاميين ورجال أعمال ومؤسسات عربية وإسلامية اتخذوا مواقف معلنة، أو ساهموا في الإغاثة، أو قدموا دعماً إنسانياً وسياسياً للقضية الفلسطينية. فهناك من تكلم، ومن تبرع، ومن عمل، ومن خاطر بسمعته ومصالحه، ومن واصل الدفاع عن الحقوق الفلسطينية رغم الضغوط.
لكن وجود هذه الجهود لا يلغي السؤال عن أولئك الذين يمتلكون ثروات هائلة، ومواقع سياسية مؤثرة، ومنصات إعلامية واسعة، وملايين المتابعين، ثم لا يظهر أثر يتناسب مع إمكاناتهم في مواجهة مأساة بهذا الحجم.
أين المبادرات التي تتناسب مع حجم الثروات؟ أين الحملات الإعلامية المستمرة التي تضع معاناة الفلسطينيين في صدارة الاهتمام؟ أين الضغط السياسي المنظم من أجل حماية المدنيين، وضمان دخول المساعدات، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية؟ وأين أصوات المشاهير الذين تملأ وجوههم الشاشات عندما يتعلق الأمر بالإعلانات والمناسبات والجوائز، بينما لا نسمع منهم بالوضوح نفسه حين يتعلق الأمر بأطفال فقدوا بيوتهم وأهلهم وأمانهم؟
هذه أسئلة مشروعة، وليست أحكاماً جماعية على النيات. فليس كل من لم ينشر موقفاً على وسائل التواصل متخاذلاً بالضرورة، وليس كل من لم يظهر في الإعلام لم يقدم مساعدة. لكن من يعلن امتلاك النفوذ، ويستفيد من المنابر العامة، ويقدم نفسه بوصفه صاحب رسالة أو مسؤولية اجتماعية، يحق للجمهور أن يسأله عن كيفية استخدام تلك الإمكانات حين تقع الكوارث الإنسانية.
إن النقد هنا ليس دعوة إلى استعراض المواقف، ولا إلى إجبار كل شخص على إعلان رأيه أمام الكاميرات؛ بل هو دعوة إلى مساءلة الفجوة بين الإمكانات المتاحة والفعل الممكن.
إلى القيادات السياسية: المسؤولية أكبر من البيانات
السياسي الذي يمتلك أدوات التأثير الدبلوماسي ليس كالمواطن الذي لا يملك سوى صوته. والمسؤول الذي يستطيع دعم الإغاثة، أو المشاركة في جهود الوساطة، أو استخدام موقعه للدفاع عن حماية المدنيين، تقع على عاتقه مسؤولية تختلف في حجمها عن مسؤولية الفرد العادي.
لا تكفي الكلمات وحدها، مهما كانت قوية. ولا ينبغي أن تتحول القضية الفلسطينية إلى فقرة ثابتة في الخطب الرسمية، تُستحضر في المناسبات ثم تتراجع عن جدول الأولويات.
المطلوب هو تحويل المواقف المعلنة إلى جهود قابلة للقياس: مساعدات تصل إلى مستحقيها، وتحرك دبلوماسي مستمر، ودعم للجهود الإنسانية، ومطالبة واضحة بحماية المدنيين، وعمل جاد من أجل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
ولا يعني ذلك أن كل دولة تستطيع فعل الشيء نفسه، أو أن جميع القيادات تملك القدرات ذاتها؛ فهناك قيود ومصالح وتوازنات معقدة. لكن اختلاف الإمكانات لا يلغي المسؤولية عن توظيف ما هو متاح منها.
فالتاريخ لا يسجل الكلمات وحدها، بل يسجل أيضاً ما استطاع أصحاب القرار فعله، وما امتنعوا عن فعله، والفرص التي أضاعوها حين كان بالإمكان تقديم المزيد.
إلى الفنانين والرياضيين والمشاهير
أما الفنانون والرياضيون والمشاهير، فقصتهم مختلفة، لكن السؤال لا يقل أهمية، فالفنان الذي تصل أعماله إلى ملايين الناس يستطيع أن يفتح مساحة للتعاطف، وأن يساهم في جمع التبرعات عبر قنوات موثوقة، وأن يخصص جزءاً من منصته للحديث عن معاناة المدنيين. والرياضي الذي تتجاوز شهرته حدود بلده يستطيع أن يجذب الانتباه إلى قضية قد تتراجع وسط ازدحام الأخبار. والإعلامي الذي يملك جمهوراً واسعاً يستطيع أن يمنح مساحة لأصوات الضحايا، بدلاً من أن تبقى قصصهم محاصرة بين العناوين العاجلة.
ليس مطلوباً من كل فنان أن يصبح خبيراً في السياسة، ولا من كل لاعب أن يحدد مسار الحل، ولا من كل مشهور أن يخوض مواجهة لا يملك أدواتها. لكن حين يختار أحدهم الحديث عن القيم الإنسانية، فمن الطبيعي أن يُسأل عن مدى اتساق هذه القيم مع سلوكه العام.
وهنا لا ينبغي أن نضع الجميع في سلة واحدة. فهناك مشاهير عرب ومسلمون أعلنوا تضامنهم مع الفلسطينيين، وشاركوا في مبادرات إغاثية، وتحدثوا علناً عن معاناة غزة. وهناك آخرون اختاروا الصمت، أو قدموا مواقف محدودة، أو لم يُعرف لهم إسهام علني واضح.
الإنصاف يقتضي التمييز بين هؤلاء، لا إصدار حكم واحد عليهم جميعاً. لكن من حق الجمهور أن يسأل أصحاب المنصات الكبرى: هل استخدمتم ما تملكونه لتخفيف المعاناة، أم اقتصر دوركم على متابعة المشهد من بعيد؟
إن الشهرة ليست جريمة، والثروة ليست عيباً، والسلطة ليست خطيئة في ذاتها. لكن هذه كلها تتحول إلى أدوات ذات قيمة اجتماعية حين تُستخدم في خدمة الناس، وتفقد جانباً مهماً من معناها حين تنفصل تماماً عن المسؤولية الإنسانية.
فلسطين اختباراً فقط، للضمير والعمل
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للقضية الفلسطينية ليس أن يغيب خبرها عن الصفحات الأولى ليوم أو يومين فحسب، بل أن يصبح الألم مألوفاً، وأن تتحول صور الأطفال والبيوت المدمرة والعائلات الممزقة إلى مشاهد يمر عليها الناس بإصبع سريع، ثم ينتقلون إلى خبر رياضي أو إعلان تجاري أو صورة احتفالية.
هذا الاعتياد هو ما حذّر منه غوارديولا في رسالته الأخيرة. فالإنسان حين يتكرر أمامه الألم قد يبدأ بالتعامل معه بوصفه جزءاً عادياً من الحياة، وهنا تصبح المحافظة على الذاكرة والاهتمام والمطالبة بالفعل ضرورة أخلاقية.
ومن هنا، فإن الحديث عن فلسطين لا ينبغي أن يرتبط بموجة عاطفية قصيرة. فالتضامن الحقيقي لا ينتهي بانتهاء انتشار مقطع مصور، ولا يتوقف حين تنشغل المنصات بقضية جديدة، ولا يُقاس بعدد الإعجابات أو المشاركات.
والأهم أن نصرة فلسطين لا تحتاج إلى استعراض أخلاقي، بل إلى عمل متواصل، وإلى صدق في الموقف، وإلى استعداد لتحمل مسؤولية الكلمة حين تكون لها كلفة.
غوارديولا يحمل قضيتنا وحده
ليس المطلوب أن نحمّل غوارديولا مسؤولية أكبر من قدرته، ولا أن نجعل من شخص واحد بطلاً مطلقاً أو معياراً وحيداً للأخلاق. فهو إنسان له حدوده، وموقفه جزء من مساحة أوسع من التضامن الدولي مع الفلسطينيين.
لكن من حقنا أن نتوقف أمام المفارقة: أن يذكّرنا رجل من عالم الرياضة بأن أطفال غزة ليسوا أرقاماً، وأن حياتهم لا تقل قيمة عن حياة أطفال العالم، بينما لا تزال هناك أسئلة معلقة حول مقدار ما يبذله بعض أصحاب السلطة والثروة والشهرة في عالمنا العربي والإسلامي.
هذه ليست دعوة إلى جلد الذات أو إنكار الجهود المبذولة، بل إلى مراجعة صادقة. فالقضية أكبر من شخص، وأكبر من تصريح، وأكبر من حملة إعلامية. وهي تحتاج إلى تكامل بين الموقف السياسي والعمل الإنساني والإعلام المسؤول والجهد الشعبي.
ولا ينبغي أن يتحول اختلاف الناس في أساليب التضامن إلى سبب لتخوين بعضهم، كما لا ينبغي أن يتحول الحديث عن تعقيدات السياسة إلى ذريعة لتبرير اللامبالاة. بين هذين الطرفين مساحة واسعة للعمل الممكن، وعلى كل شخص ومؤسسة وقيادة أن تبحث عما تستطيع فعله ضمن موقعها وقدراتها.
حين يتكلم الضمير، يصبح الصمت سؤالاً
قد لا يستطيع بيب غوارديولا أن يوقف حرباً، أو يفتح معبراً، أو يعيد طفلاً إلى والديه، أو يبني بيتاً هدمته القذائف. لكنه يستطيع أن يتحدث، وأن يلفت الأنظار، وأن يرفض أن تتحول معاناة الفلسطينيين إلى خبر عابر. وقد اختار أن يفعل ذلك عبر رسالة تدعو إلى استمرار التضامن مع فلسطين ودعم الجهود الإنسانية.
وهذا يعيدنا إلى السؤال الذي ينبغي ألا نخشى طرحه: ماذا يفعل كل واحد منا بما يملك؟
ماذا يفعل السياسي بصلاحياته؟ وماذا يفعل رجل الأعمال بثروته؟ وماذا يفعل الفنان بشهرته؟ وماذا يفعل الإعلامي بمنبره؟ وماذا تفعل المؤسسة بما لديها من موارد وعلاقات وقدرة على التأثير؟
لا تتساوى المسؤوليات، ولا تتشابه الظروف، ولا يجوز الحكم على النيات من بعيد. لكن كلما اتسعت القدرة على التأثير، اتسعت معها مساحة المسؤولية عن استخدام تلك القدرة.
إن فلسطين لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات التي تنطفئ بعد ساعات، بل إلى مواقف تستمر، وأفعال تُرى نتائجها، وذاكرة لا تسمح للمعاناة بأن تصبح أمراً عادياً.
وإذا كان غوارديولا، القادم من ملاعب كرة القدم، يرى أن التضامن مع فلسطين لا ينبغي أن يتوقف، فإن رسالته تضع أمامنا جميعاً سؤالاً لا يخص العرب والمسلمين وحدهم، بل كل إنسان يملك صوتاً أو مالاً أو سلطة أو شهرة: ماذا فعلت بما تملك حين احتاج إليك إنسان لا يملك شيئاً؟
ففي نهاية المطاف، ليست العبرة بمن رفع صوته مرة، بل بمن واصل العمل حين خفتت الأصوات. وليست العبرة بمن أعلن تعاطفه أمام الكاميرات، بل بمن ساهم في تخفيف الألم على أرض الواقع.
فالتضامن لا يتوقف، والمسؤولية لا تنتهي، وفلسطين ليست خبراً عابراً… بل قضية إنسان وحق وذاكرة وكرامة.

Ahame Elakhbar | أهم الأخبار

جريدة أهم الأخبار هي جريدة مغربية دولية رائدة، تجمع بين الشمولية والمصداقية، وتلتزم بالعمل وفقًا للقانون المغربي. تنبع رؤيتها من الهوية الوطنية المغربية، مستلهمة قيمها من تاريخ المغرب العريق وحاضره المشرق، وتحمل الراية المغربية رمزًا للفخر والانتماء. تسعى الجريدة إلى تقديم محتوى يواكب تطلعات القارئ محليًا ودوليًا، بروح مغربية أصيلة تجمع بين الحداثة والجذور الثقافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا