
يشهد الفكر الإسلامي المعاصر مخاضاً معرفياً واجتماعياً عميقاً مردّه الأساسي هو الفجوة المتسعة بين النص الشرعي المقدس بمقاصده الكلية وبين تمثلاته الواقعية في سلوكيات بعض المنتسبين إليه. وحين يتناول الباحثون والأكاديميون والعلماء قضايا الفكر الديني والخطاب المجتمعي فإنهم يواجهون إشكالية الاختزال المعياري أي اختزال الدين في شعارات شكلية أو مظاهر مظلمة مع تغييب الجوهر الأخلاقي والروحي. هذا المقال يسلط الضوء على هذه الثنائية متطرقاً بجرأة نقدية إلى الانحرافات السلوكية داخل بعض الفضاءات الدينية وداعياً الجاليات المسلمة في الغرب إلى تبني نموذج نبوي أصيل يقوم على الرحمة والأمانة والاندماج الإيجابي الفاعل.
تقتضي الأمانة العلمية والبحثية مصارحة الذات ونقدها بموضوعية تامة إذ يتعين على الباحث الأكاديمي التمييز بوضوح بين الإسلام كنسق تشريعي وأخلاقي معصوم وبين الممارسة البشرية القاصرة. حيث يُؤسفنا أن نرصد في بعض الفضاءات المجتمعية والمساجد مظاهر تناقض جوهر الرسالة المحمدية إذ تبرز أحياناً سلوكيات تتسم بالعنف اللفظي والجهل المقنع والحقد المستشري وانعدام الأمانة وانتشار آثات الغيبة والنميمة والأنانية الفردية. فهل كانت هذه الأخلاق هي سُنّة النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟ وهل سار الصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان على هذا النهج؟ كلا وألف كلا لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قرآناً يمشي على الأرض وكان الصحابة نماذج حية للعدل والرحمة والسمو الإنساني. إن تحويل الدين في بعض الأذهان إلى وسيلة للإقصاء والكراهية هو اغتيال لروح الشريعة ومقاصدها الكلية التي أُسست عليها.
تكتسب هذه الإشكالية بُعداً جيوسياسياً واجتماعياً بالغ الأهمية بالنسبة للمسلمين المقيمين في المجتمعات الغربية. والمُتأمل في المشهد اليومي داخل هذه المجتمعات وخصوصاً في الساحة الأوروبية والإيطالية يلمس بوضوح مدى تأثير الصورة الذهنية التي تقدمها الجالية فالنقاشات المستمرة حول الهوية وحرية المعتقد وتحديات الاندماج تفرض على المسلم المقيم أن يكون سفيراً حقيقياً لدينه. إن الحوار اليومي مع الجيران والتعاملات المهنية والانخراط الإيجابي في النسيج المجتمعي المحلي هي الميدان الحقيقي الذي يختبر صدق الخطاب الإصلاحي بعيداً عن تقوقع الكيتوات المغلقة أو الذوبان السلبي. فالجالية المسلمة لا تمثل ذاتها فحسب بل تُشكل واجهة حية يُقاس بها الإسلام بأسره وغياب الأخلاق المحمدية الأصلية وحلول الجفاء محلها يُقدم مادة دسمة لترسيخ الصور النمطية السلبية.
إن المطلوب إبستمولوجياً واجتماعياً هو انتقال المسلم في الغرب من عقلية المواجهة والدفاع التبريري إلى عقلية الشهود الحضاري الأخلاقي وهو ما يتجسد عملياً في الأمانة المطلقة في بيئة العمل واحترام القوانين وحفظ حقوق الجوار وتقديم نموذج إنساني رحيم بعيد عن التعصب والتشدد الفكري. ولا يُستثنى الإعلام من هذه المسؤولية إذ غالباً ما تساهم الصور النمطية السطحية في تعميق الفجوة مما يبرز الحاجة الملحة لصحافة مسؤولة وأقلام واعية لا تكتفي بردود الفعل الانفعالية بل تغوص في جوهر القضايا وتفكك خطاب الكراهية من خلال إبراز النماذج المضيئة والناجحة من أبناء الجاليات الذين أثبتوا كفاءتهم وإسهامهم الحقيقي.
يعاني الخطاب الديني المتأزم من آفة مركزية تتمثل في الوصاية الاجتماعية وتتبع العورات حيث ينشغل الفرد بمراقبة أخطاء الآخرين وتوزيع صكوك التبديع والتفسيق وكأن بيده مفاتيح الهداية والضلال. إن المنهج النبوي القويم علمنا أن المهمة الكبرى للرسالة هي الهداية لا الإذلال والرحمة لا القسوة. ومن هنا فإن العلماء والدعاة والشيوخ والأكاديميين والمفكرين مطالبون بإعادة توجيه بوصلة الخطاب الديني من السؤال الاستنكاري: ماذا يفعل الآخرون؟ إلى السؤال الإصلاحي الذاتي: ماذا فعل الإسلام في أخلاقي أنا؟ وهل انعكست أنوار النبوة صدقاً وأمانةً وتواضعاً في سلوكياتنا اليومية؟.
في الختام إن تجديد الفكر الديني واستعادة الوجه المشرق للإسلام المحمدي لا يتمان بالشعارات الرنانة ولا بالمظاهر المجردة بل بالعودة الصادقة إلى جوهر الأخلاق النبوية الشريفة. إننا بحاجة ملحة إلى خطاب أكاديمي ومجتمعي يحرر الدين من أمراض الانغلاق والعنف والتعصب ويقدمه للعالم باعتباره رحمةً مهداة للبشرية جمعاء. وحين يرى الغرب ومن قبلهم مجتمعاتنا مسلمين يجسدون هذه القيم واقعاً ملموساً حينها فقط سيستعيد الخطاب الديني هيبته الحقيقية ويكون سبباً في جذب القلوب لا تنفيرها.








