
يبدو أن مدينة طنجة أبت إلا أن تسجل اسمها في كتب الطرائف السياسية، بعدما تحول منصب عمدة المدينة من مسؤولية لخدمة المواطنين وتدبير الشأن المحلي إلى بطولة استثنائية في الجري السريع نحو المجهول. لم تأتِ ظروف هذا الفرار الكبير صدفة، بل جاءت على وقع زلزال انتخابي مدوٍ وفضائح ثقيلة ترتبط بالتلاعب بأوراق التصويت والعبث بصناديق الاقتراع. وبدل أن يقف المنتخب المعني بشجاعة أمام المساءلة القانونية، اختار تطبيق القاعدة الجديدة في قاموس الهروب وهي أن المطار أقرب دائماً من منصة القضاء، لتتلوه مباشرة مذكرات البحث التي جعلت من رحلته درساً مجانياً في الهروب الحزبي.
وفي خضم هذه العاصفة، تجدر الإشارة إلى أن عمدة طنجة، “من.”، تواجد فعلياً خارج أرض الوطن في إسبانيا، وهو ما أثار الجدل الواسع؛ فبينما ربطت التقارير الإعلامية والمصادر السياسية مغادرته بشبهات ملفات انتخابية وأنباء عن “الفرار”، خرج المعني بالأمر بنفي قاطع لهذه التهمة مؤكداً أن سفره كان مبرمجاً مسبقاً وأنه عائد قريباً للمثول أمام الجهات المختصة.
ولأن المشهد السياسي لا يخلو من طرافة سوداء، فقد علق الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، على الواقعة بطريقته الساخرة المعهودة، مبرزاً بلسانه السليط أن هذا الهروب يعكس حالة التخبط داخل بعض الأحزاب، حيث أشار بكل سخرية إلى أن طابوراً طويلاً من رفقاء الدرب يفترض بهم أن يحزموا حقائبهم ويلتحقوا بنفس الرحلة. هذا التعليق الساخر يلامس بوجع عميق أزمة ثقة حقيقية يعيشها المشهد الحزبي والانتخابي، حيث تتحول الأحزاب أحياناً إلى عبء تنظيمي يفلت رموزه عند اول اختبار جدي للمحاسبة.
من وجهة نظري الشخصية، فإن ما جرى في طنجة ليس مجرد حالة شاذة لعمدة اختار النجاة بجلده، بل هو انعكاس مقلق لخلل بنيوي في مسارنا الانتخابي والتدبيري. إن الانتخابات حين تفقد جوهرها الديمقراطي وتتحول إلى واجهة لمقاولات انتخابية همها الوحيد حصد الامتيازات، فإن نهايتها الطبيعية تكون إما على طاولات التحقيق أو على متن أول رحلة جوية مغادرة للبلاد. إننا بحاجة ماسة اليوم إلى تطهير جذري للمشهد الحزبي والسياسي، وإعادة الاعتبار لصناديق الاقتراع كأداة حقيقية لربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا يظل المواطن البسيط وحده رهينة لدى فرسان الهروب الكبير ومسرحيات التدبير العبثي.




