
إن المتأمل في تاريخ الأمة الإسلامية يجد أن قضية ظهور الفرق والمذاهب كانت من أهم المنعطفات التي أثرت في مسار التاريخ الإسلامي، ويأتي على رأس هذه المذاهب مذهب الشيعة الذي نشأ وتطور عبر محطات تاريخية وسياسية وعقدية متداخلة. وإذا نظرنا في المصادر الإسلامية الأصيلة ونصوص الوحيين، نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك أمتة دون معالم واضحة تحذر من الفرقة والاختلاف، بل جاءت الأحاديث النبوية الشريفة متواترة في رسم خارطة الطريق للمسلم عند وقوع الفتن وظهور الأهواء. لقد أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم عما سيكون من أمر الأمة قبل وقوعه بوحي من الله عز وجل، حيث ثبت في السنن من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه أنه قال: “وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب”، وفيها قال صلوات ربي وسلامه عليه: “فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة”. هذا الحديث العظيم يمثل القاعدة الأساسية والميزان الشرعي الذي وضعه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته قبل مجيء الفرق كلها، بما فيها التشيع، حيث بيّن أن العاصم من الاختلاف العقدى والسياسي هو لزوم السنّة والنواجد عليها، ولزوم هدي الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، وهو ما يخالف المرتكز الأساسي للفكر الشيعي الذي يقوم على الطعن في شرعية الخلفاء الثلاثة الأوائل وادعاء الحق الإلهي بالخلافة لآل البيت.
وفي سياق الإخبار الغيبي عن افتراق الأمة، جاء حديث افتراق الأمم الشهير الذي رواه أبو هريرة ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم من الصحابة، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: “افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة”، وعندما سُئل عن هذه الفرقة الناجية قال: “ما أنا عليه اليوم وأصحابي”، وفي رواية أخرى: “هي الجماعة”. إن هذا النص القاطع يعطي حكماً مسبقاً على كل مسلك يخرج عن الإجماع الصحابي وعن النهج الذي تركه النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه، وحيث إن الشيعة قد تميزوا تاريخياً بمفارقة جماعة المسلمين، وابتداع أصول عقدية لم تكن موجودة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا عهد أصحابه—كعصمة الأئمة، والغيبة، والرجعة، والتقية، والقول بتحريف القرآن عند غلاتهم—فإنهم يدخلون دخولاً أولياً في سياق هذا التحذير النبوي من الفرق المحدثة. وتذكر المصادر الإسلامية والتاريخية، ككتب المقالات والفرق مثل كتاب “مقالات الإسلاميين” للأشعري و”الملل والنحل” للشهرستاني، أن بذور هذا الفكر بدأت تظهر أواخر عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه على يد عبد الله بن سبأ، وهو رجل يهودي أظهر الإسلام وأخذ يبث أفكار الغلو في علي بن أبي طالب، مدعياً أنه وصي النبي وأن له حقاً إلهياً، ومستغلاً العواطف الجياشة تجاه آل البيت الصالحين، الذين هم في الحقيقة برآء من هذا الغلو، فقد ثبت عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه حرق الغلاة بالنار وتبرأ من الذين يرفعونه فوق منزلته التي أنزله الله إياها، ممتثلاً نهج النبي صلى الله عليه وسلم في حماية جناب التوحيد.
أما عما سيكون من أمرهم ومآلاتهم، فإن الأحاديث والآثار الإسلامية تشير إلى خطورة المسلك الذي سلكه أهل التشيع في شق عصا الطاعة ومفارقة الجماعة وسب الصحابة الكرام. فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم تحذيراً شديداً من سب أصحابه، فقال كما في الصحيحين: “لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه”، والشيعة في أصولهم المعتمدة يقوم دينهم على الطعن في عدالة الصحابة وتكفير جمهورهم إلا نفراً يسيراً، وهو ما يصادم صريح القرآن الكريم في قوله تعالى: “لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة”، وقوله: “والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه”. ومن ثم، فإن مصير هذا الفكر القائم على معاداة نقلة الوحي (الصحابة) هو التناقض المعرفي والشرعي؛ لأن الطعن في الناقل طعن في المنقول، مما جعل الفكر الشيعي يبتعد تدريجياً عن الأحاديث الصحيحة ويعتمد على مرويات موضوعة تخدم الأجندة السياسية والعقدية للمذهب. وتشير نبوءات التحذير النبوي إلى الفتن التي تخرج من المشرق، حيث روى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار نحو المشرق وقال: “الفتنة من ههنا، من حيث يطلع قرن الشيطان”، وقد ربط المحققون من علماء السنة بين هذا الإخبار النبوي وبين كون المشرق (وتحديداً الكوفة وبلاد فارس) كان دائماً المنطلق لظهور فرق الغلو والتشيع والخراب السياسي الذي لحق بالأمة الإسلامية عبر العصور، وصولاً إلى تحالفات تاريخية سقطت فيها عواصم الخلافة كبغداد على يد التتار بممالأة من رجالات التشيع كابن العلقمي والطفوسي.
وفيما يتعلق بالمستقبل ومآلات الأمور في أواخر الزمان، تفيد المصادر الحديثية أن الفتنة والفرقة ستستمر حتى يخرج الدجال، وفي بعض الأحاديث إشارات لافتة لبعض الأقوام المتبعين له؛ فقد روى الإمام مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يتبع الدجال من يهود أصفهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة”، وأصفهان هي من الحواضر التاريخية في بلاد فارس (إيران الحالية) التي أصبحت معقلاً كبيراً للتشيع الاثني عشري بعد الفرض القسري للمذهب في العهد الصفوي، ويرى العلماء أن هذا التوافق الجغرافي يعكس خطورة البعد العقدى والسياسي للمناطق التي احتضنت هذه الأفكار المباينة لجماعة المسلمين. كما أن الأحاديث المتعلقة بخروج المهدي في آخر الزمان توضح أن المهدي الذي ينتظره أهل السنة والجماعة هو رجل من آل بيت النبي، من ولد الحسن بن علي، يولد في وقته ويصلحه الله في ليلة، ويملا الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً، ويقاتل على السنة ويجتمع عليه المسلمون، وهذا يباين تماماً “المهدي المنتظر” عند الشيعة، وهو السردية القائمة على غياب محمد بن الحسن العسكري في السرداب منذ أكثر من ألف عام، والذي يعتقدون أنه سيخرج لينتقم من الصحابة ويحيي أبا بكر وعمر لجلدهما، مما يعكس عمق الخلاف في التصور والمآل؛ حيث يسعى مهدي السنة لجمع الأمة على التوحيد والسنة، بينما تقوم عقيدة المهدي الشيعي على الثأر التاريخي وتعميق الفرقة. إن الخلاصة الشاملة التي تقدمها المصادر الإسلامية والأحاديث النبوية تؤكد أن الشيعة كفرقة مذهبية هي نتاج للاختلاف العظيم الذي أنبأ به النبي صلى الله عليه وسلم، وأن أمرهم سيبقى في اضطراب وتعارض مع الأصول الشرعية الثابتة، ولن يكون للمسلم نجاة من هذه الفتن المظلمة إلا بالاعتصام بالكتاب والسنة وفق فهم الصحابة الكرام، والابتعاد عن الغلو في الأشخاص، ولزوم جماعة المسلمين وإمامهم، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم لحذيفة بن اليمان في حديث الفتن: “تلزم جماعة المسلمين وإمامهم”.







