اسلاميات

​عبد الله بن الزبير وفصل الختام في مكة

​شهدت الساحة الإسلامية في القرن الأول الهجري واحدة من أعقد الأزمات السياسية والعسكرية التي شكلت منبتًا للتحولات التاريخية الكبرى، وكان قطبها عبد الله بن الزبير بن العوام، الشخصية المحورية التي جمعت بين شرف الصحبة، والنسَب الرفيع، والطموح السياسي لبناء دولة تقوم على الشورى وإحياء عهد الخلفاء الراشدين. ولد ابن الزبير في المدينة المنورة ليكون أول مولود للمهاجرين بعد الهجرة، ونشأ في بيت علم وجهاد، وتأثر بخالته عائشة أم المؤمنين، مما أكسبه فصاحة وعبادة وشجاعة فذة ظهرت باكرًا في فتوحات شمال إفريقيا وجرجان. بدأت ملامح مشروعه السياسي تتضح برفضه القاطع لمبدأ وراثة الحكم والبيعة ليزيد بن معاوية، مفضلًا الاعتصام بمكة المكرمة التي اتخذها معقلاً للدعوة إلى الشورى واختيار الحاكم برضا المسلمين. وعقب وفاة يزيد، اتسعت رقعة نفوذ ابن الزبير لتشمل الحجاز، واليمن، والعراق، ومصر، وأجزاء واسعة من الشام، وبايعته الجماهير خليفة شرعيًا للمسلمين، ليدير دولة مترامية الأطراف من عاصمته المقدسة، باذلًا جهودًا جبارة في إعادة بناء الكعبة المشرفة على قواعد إبراهيم عليه السلام وتأمين طرق الحج.
​استمرت خلافة ابن الزبير قرابة تسع سنوات واجه خلالها تحديات داخلية وخارجية جسيمة، من ثورات الخوارج في البصرة وحركة المختار الثقفي في الكوفة، إلى استجماع الأمويين لقواهم في الشام تحت قيادة عبد الملك بن مروان. أدرك عبد الملك أن استقرار ملكه مرهون بإنهاء خلافة ابن الزبير، فوجه نظره نحو الحجاز واختار لهذه المهمة رجلًا عُرف بالشدة والحزم والمضي في إنفاذ الأوامر دون تردد، وهو الحجاج بن يوسف الثقفي. تحرك الحجاج بجيش جرار مدعومًا بإمدادات الخلافة الأموية، وضيق الخناق على مكة المكرمة، فضرب عليها حصارًا شديدًا استمر لعدة أشهر في عام اثنين وسبعين وثلاثة وسبعين للهجرة. لم يتردد الحجاج في استخدام المنجنيق لضرب المدينة وتصويب الصخور نحو المسجد الحرام، مما أدى إلى تضرر الكعبة المشرفة واشتعال النيران في أستارها، وهو الحدث الذي هز الوجدان الإسلامي وعكس ضراوة الصراع الإقليمي على السلطة.
​تفاقمت الأوضاع داخل مكة مع اشتداد الجوع ونقص المؤن، وبدأ التململ يتسلل إلى صفوف أنصار ابن الزبير، وانفض عنه الكثير من رجاله وحتى بعض أبنائه الذين استأمنوا الحجاج لأنفسهم. في تلك اللحظات العصيبة، تجلت شجاعة ابن الزبير وثباته العقائدي، فدخل على أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وكانت عجوزًا كفيفة البصر، يشكو إليها خذلان الناس وتفرقهم عنه، فاستنهضت همته بكلماتها الخالدة التي أكدت فيها أن الموت في سبيل المبدأ أكرم من العيش في ذل الهزيمة، قائلة له إن الشاة لا يضيرها سلخها بعد ذبحها. خرج ابن الزبير بعد هذا اللقاء مستبسلًا، وحمل سيفه يقاتل قتال الليوث في ساحات الحرم، مدافعًا عن بيعته ومشروعه حتى سقط شهيدًا مضرجاً بالدماء. ولم يكتفِ الحجاج بالانتصار العسكري، بل أمر بصلب جثمان ابن الزبير تنكيلًا به وإرهابًا لخصومه، وبقي مصلوبًا حتى دخلت أمه أسماء وتحدثت مع الحجاج بصلابة، مما اضطر عبد الملك بن مروان لاحقًا للأمر بإنزاله ودفنه، لينتهي بذلك عهد خلافة ابن الزبير وتبدأ مرحلة جديدة من السيطرة الأموية المطلقة.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا