
تتفق الشرائع السماوية الكبرى ورموز الحكمة الإلهية منذ فجر التاريخ على أن هذه الحياة الدنيوية ليست سوى ممر عابر نحو مستقر أبدي وأن الوجود الإنساني يتحرك وفق غاية مرسومة وسنة إلهية لا تبديل لها تشير بأجمعها إلى نهاية مطاف هذا العالم المادي وقيام الساعة التي لا ريب فيها مستندة في ذلك إلى نصوص مقدسة وبشارات نبوية وإشارات كونية وأخلاقية تتطابق في جوهرها وتتكامل في تفاصيلها رغم اختلاف ألسنة أصحابها وتنوع بيئات نزولها لتصوغ معا لوحة متكاملة دقيقة ومفصلة لما يُعرف في الأدبيات الدينية بآخر الزمان والملاحم الكبرى والتحولات الكونية التي تسبق طي صفحة الكون الحالي.
في الدين الإسلامي الحنيف يمثل آخر الزمان مرحلة دقيقة ومحورية تنبأ بها القرآن الكريم بآيات محكمات وأسهبت السنة النبوية الشريفة المطهرة في تفصيل علاماتها وأحداثها وترتيب مراحلها مقسمة إياها إلى علامات صغرى متتابعة وعلامات كبرى قاطعة وقد تحقق جُل العلامات الصغرى المتعلقة بانتشار الجهل، وقيام التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطيعة الرحم، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور الكذب، وقارب الزمان فانطوت السنة كالشهر والشهر كالأسبوع، وتطاول رعاة البهائم والشاء في البنيان الفاره، وفساد الأخلاق، وارتفاع شأن أهل الدناءة والرويبضة، ووقوع الحروب الطاحنة وفتح بيت المقدس وموت كعقواس الطاعون، لتفتح الأبواب تدريجيا أمام العلامات الكبرى العظام التي تتوالى كحبات عقد انقطع سلكه وتبدأ بظهور المهدي المنتظر الذي يواطئ اسمه اسم النبي صلى الله عليه وسلم واسم أبيه اسم أبيه، فيملأ الأرض قسطا وعدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا، ثم يخرج المسيح الدجال الأعور الكذاب مدعيا الألوهية وخارقا للسنن الكونية بما يملكه من أنهار وجنات مزيفة وجدب خصب ليكون فتنة عظيمة للمؤمنين تختبر ثبات قلوبهم حتى ينزل نبي الله عيسى بن مريم عليه السلام من السماء مهبطاً مقدساً عند المنارة البيضاء شرقي دمشق واضعا كفّيه على أجنحة ملكين، فيتبع الدجال حتى يدركه بباب لد فيقتله برمح الحق، ثم ينكس الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام، ويكسر شوكة الباطل، ويأمن الناس حتى ترعى الأسد مع الإبل والذئب مع الغنم ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، وفي عهده وزمنه يخرج يأجوج ومأجوج وهم خلق كثير من كل حدب ينسلون لا قِبَل لأحد بقتالهم فيفسدون في الأرض ويشربون بحيرة طبرية حتى يبيدوها، فيدعو نبي الله عيسى ربه فيرسل الله عليهم نغفاً في رقابهم فيصبحون فرسى موتى كناتس واحد، ويرسل الله السماء برداً شديداً فلا تحكن منه بيتاً ولا مَدَراً فيغسل الأرض حتى تركها كالفضة، ثم ترفع الدابة من الأرض فتكلم الناس وتسمهم، وتطلع الشمس من مغربها فيؤمن الناس حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، ويغلق باب التوبة، وتأتي ريح طيبة لطيفة من قبل اليمن تقبض أرواح كل مؤمن ومؤمنة فلا يبقى في الأرض إلا شرار الخلق وعليهم تقوم الساعة بنفخة الصور التي يفزع منها كل من في السماوات والأرض إلا من شاء الله ثم تصعق السموات والأرض.
وعلى النسق ذاته تسير الديانة المسيحية في سفر الرؤيا وبقية أسفار العهد الجديد والتقليد الرسولي حيث تُصور نهاية الأزمان على أنها صراع مرير وحاسم بين قوى النور الإلهي وقوى الظلام الشيطانية يسبقه ارتداد عظيم عن الإيمان وقيام أنبياء كذبة ومسحاء دجالين يصنعون الآيات والعجائب المزيفة لتضليل البشر حتى المختارين إن أمكن، ويظهر الوحش القادم من البحر والنبي الكذاب اللذان يفرفران طغيانهما الديكتاتوري والروحي على العالم بأسره ويفرفران علامة الوحش السداسية على الجباه واليد اليمنى كشرط حصري للبيع والشراء لتحل بعد ذلك الكوارث الطبيعية الكبرى من زلزال لم يمثله مثيل منذ أن كان الناس على الأرض وسقوط نجوم كالتيْن ويحدث كسوف وخسوف تام وتتحول الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دم، وتشتعل الأوبئة والحروب العالمية العظمى وفي مقدمتها حرب هرمجدون الكبرى الموعودة في وادي مجدو بفلسطين حيث تتجمع جيوش الأمم الأرضية كافة لمواجهة مقدسة، ليعقب ذلك المجيء الثاني المجيد للسيد المسيح له المجد على سحاب السماء بقوة ومجد عظيم مع ملائكته الأطهار للقضاء على إبليس والوحش والنبي الكذاب وطرحهم في بحيرة الكبريت المتقدة بالنار، وإقامة الدينونة الأخيرة على العرش الأبيض العظيم حيث تُفتح الكتب وتُفصل الأبرار عن الأشرار وتُخلق سماء جديدة وأرض جديدة أورشليم السماوية النازلة من السماء حيث لا موت فيها ولا حزن ولا صراخ ولا وجع لأن الأمور الأولى قد مضت.
وفي التراث اليهودي ضمن أسفار الأنبياء الكلاسيكية مثل سفر دانيال وسفر حزقيال وسفر زكريا وسفر ملاخي يُنظر إلى آخر الزمان باعتباره عصر المخاض الكبير أو آلام ماشيح أي المسيح المنتظر حيث تعاني البشرية من ضوائق اقتصادية واجتماعية وسياسية شديدة وحروب هائلة ومخاوف جبارة يشارك فيها تحالف أمم الأرض مجتمعين ضد أورشليم وفي مقدمتها الحرب الملحمية الكبرى حرب جوج ومأجوج من أرض ماجوج وروس ومشيك وتوبال ومعهم فارس وكوش وبوط وجومرك، والتي تصفها النصوص العبرية بأنها مواجهة كبرى تحشد لها الطاقات لتفشل فيها القوى العسكرية البشرية وتتدخل العناية الإلهية مباشرة وبصورة معجزية لخلاص البقية الصالحة من بني إسرائيل والبشرية التائبة، لتبدأ بعدها حقبة الخلاص الأبدي والعدل الشامل وعودة المنفيين من أشتات الأرض وتجديد الهيكل وإعادة النظام الكوني وسفور الحق الإلهي لكل الأمم التي تتجه صعوداً نحو جبل صهيون لتتعلم طرق السلام والشريعة والبر الأبدي وينتهي عصر الدموع والألم.
أما في الديانات الهندية العظمى كالهندوسية وفي الفلسفة الكونية المعقدة فيتمثل آخر الزمان في الخاتمة الحتمية لعصر كالي يوجا وهو العصر الحالي المظلم الذي يُوصف في النصوص المقدسة بأنه عصر الظلام والجهل والانحلال الأخلاقي والروحي وانعدام الفضيلة حيث يتدهور القانون الكوني والأخلاقي والأبدي إلى أدنى مستوياته الممكنة، وتنتشر الجرائم والحروب والظلم والفقر المدقع والأمراض غير المعروفة والفساد الشامل في المؤسسات وفي نفوس البشر حتى يصل العالم إلى ذروة التفسخ والانحطاط ليموت الزمن المادي وينبعث عندئذ الحظيرة الكلكي وهو التجسد العاشر والأخير للإله الحافظ فيشنو راكبا فرساً أبيض طاهراً ومسلحا بسيف لامع كشهاب ثاقب ليقضي على ملوك الأرض الأشرار وينهي هذا العصر الفاسد تماما مطهراً الوجود وممهدا الطريق الطويل لبداية دورة كونية جديدة تبدأ من جديد بعصر ذهبي نقي ونزيه يُعرف بـ ساتيا يوجا يعود فيه النقاء والصدق والعدل والروحانية إلى أصلها في الوجود.
وفي الديانة البوذية العظمى يُعتقد أن العالم البشري يخضع لدورات أزلية مديدة من الصعود والانهيار الروحي والمادي وأن التعاليم الحالية لبوذا التاريخي شاكياموني ستتلاشى تدريجيا بمرور القرون والأجيال نتيجة لنسيان البشر للحقائق السامية وانتشار الشغف والشهوات الدنيوية والفساد والحروب الدامية حتى يصل البشر إلى مرحلة مظلمة تضمحل فيها القيم الإنسانية وتقصر فيها أعمار البشر انحداراً مطرداً لتصل إلى سنوات معدودة تسود فيها الكراهية والشر المطلق، وحين تبلغ البشرية قاع اليأس والظلام الأبدي يظهر المعلم المنتظر بوذا مايتريا الموعود صاعدا من عوالم النور السامية ليعيد إحياء التعاليم الحقيقية ويهدي البشرية جمعاء إلى طريق النجاة والرحمة والسلام واليقظة الروحية الكبرى ويؤسس لعصر جديد من الاستنارة.
وعند التأمل العميق والمقارن في هذه المنظومات العقدية والفلسفية المتباينة جغرافيا وثقافيا وتاريخيا يتجلى خيط رفيع متين وواضح يربط بينها جميعا مؤكدا أن الوعي الإنساني الفطري أدرك على الدوام وعبر مختلف العصور أن هذا الوجود المادي ليس عبثا ولا صدفة عابرة بل هو مسيرة ذات بداية وهدف ونهاية مرسومة، وأن الظلم مهما اشتد وطال ليله فإنه زائل لا محالة، وأن العدل الإلهي المطلق قادم لا ريب فيه ليحاسب المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته، وتُطوى بذلك صفحة الاختبار البشري المؤقت لتشرق شمس الحقيقة الخالدة في دار القرار الأبدي حيث تستوي النفوس على مصائرها الحقة التي عملت لها طوال رحلتها الممتدة فوق أديم الأرض منذ آدم عليه السلام وحتى نفخة الصور الأخيرة.







