
تتجلى أسمى معاني الابتلاء والاختبار في النفس البشرية من خلال آيات الذكر الحكيم، حيث تعرض القرآن الكريم لأنماط البشر وسلوكياتهم تجاه الخالق عز وجل، ومثال ذلك قوله تعالى في محكم تنزيله: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ. وتأتي هذه الآية الكريمة لتكشف عن حقيقة صنف من الناس يعيشون حالة من التذبذب وضعف اليقين، فقد ذهب الإمام الطبري في تفسيره (جامع البيان) استناداً إلى ما رواه ابن عباس ومجاهد وغيرهما، إلى أن هذه الآية نزلت في بعض الأعراب الذين كانوا يدخلون في الإسلام على شرط المصلحة العاجلة، فكان أحدهم يأتي المدينة المنورة مهاجراً، فإن ولدت امرأته غلاماً ونتجت خيله قال مستبشراً هذا دين صالح، وإن ولدت جارية أو لم تلد خيله أو أصابته ضراء ومكروه قال محذراً هذا دين سوء فانقلب على عقبيه وارتد، وهو المعنى الذي أكده الإمام ابن كثير في تفسيره العظيم مبيناً أن هؤلاء هم أصحاب الإيمان الهش الذين يربطون عبادتهم لله عز وجل بالحظوظ الدنيوية والرخاء المادي، فإذا حصل لهم الرزق والعافية والنصر استمروا وثبتوا، وإذا نزلت بهم محنة أو بلاء انقلبوا على وجوههم وتخلفوا عن الطاعة، متأثرين بحالة من الشك والتردد شبهها الإمام البغوي في معالم التنزيل بالواقف على شفير الجرف أو الحرف، وهو الطرف والجانب الذي لا استقرار فيه والمعرض للوقوع والسقوط في أي لحظة لعدم تمكنه وثباته، مما يعكس صورة بليغة لانعدام الطمأنينة القلبية والارتباط الشرطي بالمصالح الدنيوية التي لا تبقي ولا تذر. ومما يشبه ذلك حال الكثيرين في زماننا المعاصر، حيث يظهر هذا المعنى القاسي جلياً في حياة الناس اليوم؛ إذ ترتبط علاقة كثير من الأفراد بالدين والمبادئ والقيم ارتباط مصلحة نفعية بحتة، فترى أحدهم مقبلاً على الطاعة والالتزام والتقرب ما دام في بحبوحة من العيش، واستقرار وظيفي، ورزق واسع، وعافية في البدن، فإذا ما داهمته أزمات العصر، أو عصفت به نوائب الدهر من فقر مدقع، أو مرض عضال، أو خسارة مالية، أو ضيق في الرزق، تراه يتسخط على أقدار الله عز وجل، وربما ركن إلى اليأس والقنوط أو تراجع عن قيمه ومبادئه الرفيعة، متناسياً أن الابتلاء هو حقيقة الكون وسنة الحياة، لتمتد هذه الحالة المعاصرة لتجسد تماماً معنى العبادة على حرف في أبهى صورها المادية والنفسية، حيث يتقلب المرء بحسب أهوائه ومصالحه اللحظية، لتنتهي الآية الكريمة ببيان المآل الحتمي لمن هذا حاله، حيث يجمع الله له بين خسران الدنيا بفوات ما كان يرجوه من حطامها الزائل مع عدم دفع الضر عنه، وخسران الآخرة بالعذاب الأليم والعقاب المستحق، وهو ما وصفه القرآن بدقة بالغة بأنه الخسران المبين الواضح الذي لا خفاء فيه، ومما يعزز هذا المعنى ويؤكده في آيات أخر قوله تعالى في سورة العنكبوت: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ، لتبقى هذه النصوص الشريفة درساً بليغاً لكل مؤمن لكي يخلص نيته ويحقق الثبات والاستقامة في السراء والضراء، بعيداً عن أهواء المصالح الضيقة والتقلبات النفسية التي تهوي بصاحبها إلى درك الخسران العظيم في الدارين جميعاً.







