
تخوض المملكة المغربية اليوم الأربعاء محطة سياسية مفصلية تتجاوز في أبعادها الدلالات التقليدية للاستحقاقات التشريعية إذ يتقاطع إدلاء الناخبين بأصواتهم لاختيار أعضاء مجلس النواب مع منعطف تاريخي واقتصادي بالغ الدقة. إن المشهد الانتخابي الراهن لا ينفصل بحال من الأحوال عن الاستعدادات الكبرى الجارية على قدم وساق لاستضافة نهائيات كأس العالم 2030 بالشراكة الاستراتيجية مع إسبانيا والبرتغال وهو ما يضع صانع القرار المغربي أمام مسؤوليات مضاعفة تستوجب إدارة محكمة لملفات التنمية والبناء. وفي ظل تنافس سبعة وعشرين حزباً سياسياً على نيل ثقة المواطنين لملء المقاعد البرلمانية التسعة وتسعين بعد الثلاثمائة تترقب الأوساط السياسية والشعبية النتائج الأولية المرتقبة ابتداءً من الرابع وعشرين من سبتمبر وما ستليها من مشاورات عسيرة وحاسمة لتشكيل الحكومة الجديدة التي ستؤول قيادتها وفق الدستور إلى حزب الصدارة عبر تعيين ملكي يمهد لهندسة الائتلاف الحكومي القادم. غير أن رهان هذه المرحلة يتجاوز بكثير مجرد حصد المقاعد الحزبية وتوزيع الحقائب الوزارية ليلامس جوهر التحديات الاجتماعية والاقتصادية الملحة التي تثقل كاهل المواطن المغربي وفي مقدمتها معضلة التشغيل وتوفير فرص العمل للشباب وتحسين مستويات الأجور إلى جانب الارتقاء بالخدمات الحيوية كالتعليم والصحة والسكن اللائق وهي ملفات ظلت تتصدر انشغالات الشارع وتختبر مدى قدرة البرامج الحزبية على تقديم بدائل عملية وملموسة.
ولا شك أن هذه الإكراهات الاجتماعية تتداخل بعمق مع الورش التنموي الهائل الذي تدشنه المملكة حيث تقدر الاستثمارات الضخمة المرتبطة بمرحلة المونديال بنحو عشرين مليار دولار توظف لتطوير البنى التحتية الأساسية وتوسيع شبكات النقل والسكك الحديدية وتأهيل الملاعب الأمر الذي يلقي على عاتق الحكومة المنتظرة عبئاً ثقيلاً يقضي بضرورة ربط هذه المشاريع العملاقة بالدورة الاقتصادية المحلية وخلق ثروة توزع بعدالة على مختلف الجهات لضمان ألا تقتصر ثمار التنمية على الواجهات الكبرى وحدها بل تمتد لتلامس عمق الحياة اليومية للمواطن البسيط في كل المدن والقراها. ويأتي الصراع السياسي المحتدم داخل الائتلاف الحكومي الحالي لا سيما بين حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة ليزيد من تعقيد المشهد الانتخابي حيث يسعى كل طرف إلى تحصين مواقعه وتعزيز حضوره تمهيداً لمرحلة ما بعد الاقتراع وسط ترقب واسع لنسب المشاركة الشعبية ولا سيما من قبل الفئة الشبابية التي طالما شكلت مؤشراً رئيسياً لمدى عمق الثقة في المؤسسات المنتخبة وفي جدوى العمل السياسي برمته.
ومن جهة أخرى تفرض رهانات المرحلة المقبلة على الفاعلين الحزبيين الارتقاء بخطابهم السياسي ومستوى تعاطيهم مع التطلعات المتزايدة للشارع إذ لم يعد مقبولاً الاكتفاء بالوعود الفضفاضة والشعارات الموسمية التي تتلاشى بمجرد إغلاق مكاتب التصويت بل أصبح لزاماً على النخبة السياسية تقديم رؤى واضحة وقابلة للقياس تدعم مسار الإصلاح المؤسساتي والاقتصادي. إن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة الأغلبية القادمة على خلق توافقات صلبة توازن بين متطلبات الاستثمار الضخم في البنيات التحتية وبين العدالة الاجتماعية الملحة بحيث تتكامل الأوراش الكبرى مع السياسات العمومية الموجهة لدعم القدرة الشرائية وتوفير فرص الشغل المنتجة. وفي ظل هذه التحولات السريعة يترقب المغاربة بشغف وحذر مآلات هذه الانتخابات التي ستفرز الفاعل السياسي المسؤول عن قيادة البلاد في مرحلة استثنائية تختبر قدرة النموذج التنموي المغربي على الوفاء بانتظارات التحديث العضوي للاقتصاد والوفاء بالالتزامات الدولية الكبرى لتكون صناديق الاقتراع بذلك هي الفيصل الحقيقي في تحديد هُوية ورسم ملامح المغرب الذي يستشرف المستقبل بكل ثقة وتحدٍ واضعاً نصب عينيه بناء غدٍ أفضل يستحق طموحات أبنائه.
وفي خضم هذه التحديات الجسام والرهانات المصيرية تبقى الثقة الراسخة للمواطن المغربي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالرؤية الملكية المتبصرة والسياسة الرشيدة لجلالة الملك والتي شكلت دائماً صمام الأمان والبوصلة الموجهة للبلاد نحو التقدم والاستقرار. ومن هذا المنطلق فإن المسؤولية اليوم تلقى على عاتق الأحزاب السياسية برمتها لتتحلى بأعلى درجات النزاهة والمصداقية وأن يدرك كل من تحالف أو فاز بثقة الناخبين أن المسؤولية تكليف وليست تشريفاً وأن خدمة مصالح الوطن والمواطن فوق كل اعتبار بعيداً عن أي استغلال للمناصب أو القرب من مراكز القرار لتحقيق مصالح ضيقة. كما أن الأنظار الإقليمية والدولية تترقب هذا الاستحقاق باهتمام بالغ فالدول الصديقة تراهن على النموذج المغربي بينما يتربص خصوم الوحدة الترابية وكل السعاة إلى نشر الفتنة للمساس بصورة المغرب ومصالحه الخارجية وهو ما يفرض صفاً واحداً وجبهةً داخلية متماسكة. وإلى جانب ذلك يترقب مغاربة العالم التفاتة حقيقية وملموسة تقطع مع البيروقراطية وتعالج بجدية قضاياهم وملفاتهم العالقة في رفوف المؤسسات والوزارات باعتبارهم جزءاً لا يتجزأ من مسار التنمية والادخار الوطني. وأمام هذه التحديات الكبرى يظل الثابت الراسخ في وجدان كل مغربي ملكاً وشعباً وحكومةً هو الدفاع الصلب عن الثوابت الوطنية والقضايا المصيرية وفي طليعتها قضية الصحراء المغربية والسيادة الكاملة على ثغري سبتة ومليلية المحتليتين فضلاً عن الالتزام التاريخي والثابت بدعم القضية الفلسطينية العادلة دون مناورة أو تراجع ليظل المغرب كعقده التاريخي حراً أَبياً وفياً لقيمه وثابتاً في مواقفه أمام العالم بأسره.









