
مشهد متشرذم وأغلبية محکومة بالتوافق:
تأتي المحطة الانتخابية التشريعية التي أُجريت يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026 لتكرس رسمياً ملامح الخريطة السياسية والحزبية في المملكة على ضوء النتائج النهائية التي أعلن عنها وزير الداخلية عقب استكمال لجان الإحصاء الإقليمية والجهوية برئاسة القضاة لأشغالها وإيداع المحاضر لدى المحكمة الدستورية. لقد أسفرت هذه الاستحقاقات عن تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً، متبوعاً بحزب التجمع الوطني للأحرار في المرتبة الثانية بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، وحزب العدالة والتنمية بـ54 مقعداً، تليها تباعاً باقي التشكيلات السياسية كالحركة الشعبية بـ29 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ26 مقعداً، وحزب التقدم والاشتراكية بـ19 مقعداً، والاتحاد الدستوري بـ17 مقعداً، وصولاً إلى باقي الأحزاب والتحالفات التي ضمنت تمثيليتها تحت قبة البرلمان بمجموع 395 مقعداً. هذه الخريطة الرقمية والدقيقة تؤكد طبيعة المشهد البرلماني المتشرذم الذي يأبى منح الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعداً لحزب واحد، مما يكرس الدستور التعددي الإجبارية وضرورة التوافق، ويضع النخب السياسية أمام مخاض عسير ومسؤولية تاريخية لتشكيل أغلبية حكومية منسجمة وقوية قادرة على تجنب أي تعطيل وتدبير التحديات الراهنة بكفاءة تامة.
منطق التعاقد البرامجي ورهان الدولة الاجتماعية:
وفي هذا السياق، لن يكون مخاض تشكيل الأغلبية الحكومية مجرد حسابات عددية لتوزيع الحقائب، بل سيشكّل محكاً حقيقياً لاختبار قدرة الأقطاب الحزبية على صياغة “تعاقد حكومي” متين يتجاوز منطق المحاصصة الضيقة إلى الحد الأدنى من الانسجام البرامجي، والكفيل بتسريع وتيرة تنزيل الورش الملكية الكبرى المرتبطة بتدعيم ركائز “الدولة الاجتماعية” وتعميم الحماية الاجتماعية، باعتبارها الرهان الأكبر الذي سيقيس مدى جدوى السياسات العمومية المقبلة.
فجوة الوعود وفلسفة الجهوية المتقدمة:
وإلى جانب لغة الأرقام الرسمية والتحالفات الممكنة، تبرز إشكاليات البرامج السياسية ومستوى تعاطيها الحقيقي مع الواقع؛ إذ كشفت المحطة عن فجوة مستمرة بين الوعود التقليدية الفضفاضة وبين الإكراهات الاقتصادية والاجتماعية الحارقة، مما يضع الأحزاب أمام اختبار حقيقي حول مدى قدرتها على تقديم بدائل واقعية لمواجهة غلاء المعيشة والبطالة وانشغالات المواطن اليومي. ولا يتقاطع هذا النقاش البرامجي بمعزل عن البعد الجهوي والتنموي الذي يشكل ركيزة أساسية في الهندسة المؤسساتية للبلاد، حيث تكتسي المجالس الجهوية المنتخبة أهمية بالغة في ترجمة ورش الجهوية المتقدمة على أرض الواقع عبر تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية وخلق أقطاب تنموية مندمجة مع السياسات العمومية.
نبض الشارع ومحك استعادة الثقة المؤسساتية:
وفي قلب هذه التحولات، سجلت المحطة تفاعلات لافتة على مستوى حضور الشباب والنساء، واكبتها ديناميات وتعبئات مدنية ومبادرات رقمية توعوية سعت إلى تحفيز المشاركة ورفض العزوف، عكست من خلالها نسب التمثيلية والترشحات مدى نجاعة الآليات التحفيزية والقانونية في ضخ دماء جديدة داخل المؤسسات التشريعية، رغم استمرار التحديات المرتبطة بالتمكين السياسي الفعلي. وعلى الصعيد الشعبي، يعكس نبض الشارع المغربي حالة من الترقب المشوب بالحذر والإحساس المتزايد بالمسؤولية؛ فالشارع اليوم بات يراقب عن كثب مصداقية الخطاب الحزبي والتزام النخب بتعهداتها بعد اتضاح المعالم النهائية لخريطة البرلمان.
وهذا الوضع يضع الأغلبية الحكومية المرتقبة أمام امتحان صعب لا يقبل القسمة على اثنين، فإما استعادة الثقة المؤسساتية عبر سياسات ناجعة تستجيب للنبض المجتمعي والانتظارات المعيشية الملحة، وإما تعميق الهوة بين المواطن والعمل الحزبي. ومن هذا المنطلق، فإن رهانات المرحلة تتجاوز تدبير الأغلبية لتشمل استيعاب الرسائل العميقة لصناديق الاقتراع، وتحويل هذه المحطة إلى رافعة حقيقية للتنمية الشاملة والعدالة الاجتماعية والمجالية، بما يصون الاستقرار السياسي للمملكة في ظل سياقات إقليمية ودولية دقيقة تستوجب جبهة داخلية متراصة وفعالة.







