سياسة

حربان تحرقان باريس وتقلبان رئاسيات فرنسا

​تعيش القارة الأوروبية اليوم أسوأ كابوس اقتصادي وجيوسياسي مزدوج في تاريخها الحديث، حيث تلتقي الندوب العميقة للحرب الروسية الأوكرانية المستمرة منذ عام 2022 مع الصدمة الطاقوية العنيفة التي فجرتها الحرب المشتعلة في إيران والشرق الأوسط خلال عام 2026. وتؤكد تقارير المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي أن القارة العجوز سقطت فعلياً في فخ الركود التضخمي بعد أن خفضت بروكسل توقعات النمو في منطقة اليورو إلى 0.9% فقط، مع قفزة في تضخم أسعار الطاقة داخل الاتحاد الأوروبي لتتجاوز حاجز 11%. فبينما أدت حرب أوكرانيا وعقوبات موسكو إلى استنزاف مخزونات الغاز ورفع تكاليف الكهرباء والتصنيع وإجبار أوروبا على استيراد 57% من غازها المسال من الولايات المتحدة، جاء إغلاق مضيق هرمز وتوقف صادرات الغاز من قطر واضطراب الملاحة في باب المندب ليوجه ضربة قاصمة لأسعار النفط الخام وسلاسل التوريد العالمية. وقد انعكس هذا الشلل فوراً في تجاوز سعر برميل نفط برنت حاجز 109 دولارات ووصول أسعار الغاز الأوروبية إلى 96.3 دولار لكل ميغاواط في الساعة، فيما قفزت عوائد السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46% ومعدلات الرهن العقاري لأجل 30 عاماً إلى 6.38%، وسط تحذيرات أطلقتها رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد في برلين من أن القارة تواجه “أقسى أزمة طاقة منذ 50 عاماً” أطاحت بكل ركائز الأمن الاقتصادي الأوروبي منذ الحرب العالمية الثانية.
​شلل قاري وبركان يعيد “السترات الصفراء” إلى فرنسا:
​هذه المؤشرات الاقتصادية القاتمة سرعان ما تحولت إلى كرة لهب عابرة للحدود ضربت عصب الاقتصاد الأوروبي من روما ومدريد إلى بروكسل ولندن، قبل أن تنفجر بركاناً اجتماعياً غير مسبوق في قلب فرنسا. فعلى الصعيد الأوروبي، وجدت إيطاليا نفسها في عين العاصفة باعتبارها الأكثر انكشافاً بعد انقطاع الغاز القطري الذي يغذي 10% من استهلاكها السنوي، ما دفع رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني إلى التحرك العاجل نحو الجزائر وسط احتجاجات شعبية في المدن الإيطالية ضد نقص الوقود والغذاء وهبوط بورصة ميلانو بنسبة 2%. وبالتوازي، يواجه قطاع الشحن البري في بلجيكا وبولندا موجة إفلاسات متتالية وتختنق شركات النقل في إسبانيا بزيادة شهرية قدرها 720 يورو لكل شاحنة، فيما اقترب سعر لتر الديزل في بريطانيا من 2 جنيه إسترليني واضطرت دول مثل البرتغال ولوكسمبورغ إلى فرض خطط تقشف طاقوي شملت تقليص الإضاءة العامة والعمل عن بُعد. غير أن فرنسا دفعت الثمن الأغلى بوصفها بؤرة التوتر الأوروبي؛ إذ قفزت أسعار الديزل عالمياً بنسبة 73% لتتخطى في المحطات الفرنسية حاجز 2.37 يورو للتر الواحد، وهو ما يعادل 2.72 دولار وبفارق سنت واحد فقط عن الرقم القياسي التاريخي البالغ 2.38 يورو. هذا الغلاء الفاحش أشعل شرارة احتجاجات نقابية وشعبية عارمة أعادت إحياء حركة السترات الصفراء بزخم أشد ضراوة شمل 110 مدن فرنسية، وأغلق خلالها الصيادون والعمال موانئ نيس وسيت وغرو دو روا ومستودعات الوقود في فرونتينان وفوس سور مير، قبل أن تتوج بمسيرات كبرى في 17 أكتوبر 2026 جمعت ما بين 550000 متظاهر بحسب التقديرات الرسمية و800000 متظاهر وفق المنظمين، وسط مواجهات عنيفة شهدت إحراق مبنى بلدية ليموج التاريخي واقتحام بلدية مرسيليا وإضرام النيران في مكتب السياحة بمدينة ليون وتوقيف أكثر من 2400 شخص.
​ذعر في أسواق أوروبا ووقود انتخابي لرئاسيات 2027:
​لم تتوقف ارتدادات الغليان الميداني عند حدود الشوارع، بل امتدت لتثير ذعراً مالياً في أسواق الديون الأوروبية وتعيد رسم الخريطة السياسية في باريس على مشارف الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2027. فقد أدت الفوضى في فرنسا وإيطاليا إلى موجة بيع واسعة للسندات وهبوط سعر صرف اليورو ليستقر عند 1.1225 دولار، مع اتساع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية لأجل 10 سنوات إلى 143.6 نقطة أساس، وهو المستوى الأعلى منذ أزمة الديون الأوروبية عام 2012، في وقت عجزت فيه حزم الدعم الأوروبية البالغة 14.5 مليار يورو عن تهدئة الأسواق. وداخل فرنسا، التقطت قوى المعارضة بشقيها اليميني واليساري لحظة الضعف الحكومي لتوجيه ضربات موجعة لمعسكر الرئيس إيمانويل ماكرون؛ حيث استثمرت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان وحزب “التجمع الوطني” حالة السخط الشعبي في الأرياف والمناطق الصناعية لتقديم أنفسهم مدافعين وحيدين عن الطبقة العاملة بوجه “النخب الباريسية والبيروقراطية الأوروبية”، مطالبةً بخفض فوري لضرائب القيمة المضافة على المحروقات وفك الارتباط بقواعد السوق الأوروبية للطاقة. وفي المقابل، صعّد زعيم حزب “فرنسا الأبية” جان لوك ميلانشون وقوى اليسار من خطابهم الجذري عبر ربط غلاء المعيشة بالسياسات الليبرالية، داعين إلى فرض تجميد شامل للأسعار ورفع الأجور وتأميم قطاعات الطاقة الحيوية. وبينما اتهم المرشح الرئاسي الوسطي رافائيل غلوكسمان السلطة التنفيذية بـ”العمى الاستراتيجي”، بدت الإجراءات الإسعافية التي أعلنها رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو — كرفع دعم وقود الصيادين من 25 إلى 35 سنتاً للتر والسحب الطارئ لنحو 10000000 برميل من الاحتياطي الاستراتيجي — عاجزة عن ترميم الثقة أو وقف النزيف الانتخابي لمعسكر الأغلبية الرئاسية.
​البوصلة الأوروبية تتجه شرقاً.. الخليج صمام أمان:
​وأمام هذا الحصار المزدوج بين مطرقة الشارع المنتفض في فرنسا وأوروبا وسندان المعارضة المتربصة بصناديق الاقتراع، إلى جانب الضغوط الدولية التي تجلت في تشفي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باشتعال العواصم الأوروبية، أدرك قصر الإليزيه وصناع القرار في الاتحاد الأوروبي أن تفادي انهيار اقتصادي شامل وتأمين الشتاء الأوروبي لا يمكن أن يتحقق بالحلول الداخلية وحدها. من هنا جاء التحرك العاجل للرئيس إيمانويل ماكرون نحو منطقة الخليج العربي على رأس وفد يضم كبار مسؤولي شركتي “توتال إنرجيز” و”إنجي”، لينجح في انتزاع تعهدات استراتيجية من دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين لتأمين 200000 طن شهرياً من الديزل، بالتزامن مع اتفاقية مبادلة العملات الإماراتية البحرينية بقيمة 20000000000 درهم (ما يعادل 5.4 مليار دولار) لدعم الاستقرار المالي الإقليمي. خطوة حاسمة تؤكد أنه في الوقت الذي تعاني فيه أوروبا من ارتدادات حرب أوكرانيا وانقطاع إمدادات الشرق الأوسط، تبرز العواصم الخليجية مجدداً كصمام أمان حقيقي للاقتصاد العالمي، وشريك استراتيجي موثوق يمتلك القدرة الفائقة على ضبط توازنات الطاقة والسياسة وحماية الأمن القومي الأوروبي والفرنسي من السقوط الحر وسط عالم يموج بالمحاور المتصارعة من سهول شرق أوروبا إلى مضيق هرمز.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا