
تُعدّ الشيعة الإثنا عشرية، أو الجعفرية، كبرى طوائف المذهب الشيعي، ويستند كيانها العقائدي والتاريخي إلى مجموعة من الركائز التي تبلورت عبر القرون انطلاقاً من مصادر المسلمين المعتمدة ومصنفات كبار علمائهم وأخبار بيت النبوة. تبدأ الجذور التأسيسية لهذه الفرقة من الإيمان الصارم بنصّ الغدير الذي يفسره الشيعة، بناءً على مرويات الحديث التاريخية، بكونه وصية صريحة من الرسول محمد لعلي بن أبي طالب بالخلافة والإمامة من بعده، ليكون المنطلق لنظرية الإمامة الإلهية التي لا تقوم على الشورى أو الاختيار البشري، بل على التعيين والنص الإلهي. وتتفق المصادر التاريخية والحديثية على أن هذا المفهوم تطور لينحصر في سلسلة متصلة من اثني عشر إماماً من نسل علي وفاطمة الزهراء، يمثلون امتداداً روحياً وتشريعياً للنبوة، ويتمتعون بالعصمة من الخطأ والزلل، والعلم اللدني المستمد من علوم النبي، حيث يبدأ عقد هؤلاء الأئمة بعلي بن أبي طالب، مروراً بالحسن والحسين، ثم التسعة من ذرية الحسين، وصولاً إلى الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن المهدي، الذي يعتقد الشيعة تِبعاً لأدبياتهم الغيبية والكلامية أنه غاب عن الأنظار غيبتين؛ صغرى أدار فيها شؤون الطائفة عبر أربعة سفراء، وكبرى مستمرة إلى اليوم، وسيعود في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً.
وعلى الصعيد التشريعي والفقهي، يتميز الفقه الإثنا عشري بالاعتماد على القرآن الكريم كمصدر أول، يليه السُنّة النبوية ومرويات الأئمة المعصومين التي جُمعت في الأصول الحديثية الأربعة الكبرى، وهي “الكافي” للكليني، و”من لا يحضره الفقيه” للصدوق، و”التهذيب” و”الاستبصار” للطوسي. ويُعرف المذهب برفض القياس والاعتماد بدلاً منه على العقل كأداة لاستنباط الأحكام الشرعية في غياب النص الصريح، مما فتح الباب واسعاً أمام حرية الاجتهاد وتطور الفقه عبر العصور، وهو ما يُعرف بنظام المرجعية الدينية والتقليد، حيث يرجع العوام في شؤونهم الفقهية إلى المجتهدين الأعلم الذين يطلق عليهم الفقهاء أو مراجع التقليد. ومن الناحية العقدية، تقوم أصول الدين عند الإثني عشرية على خمسة أركان هي التوحيد، والعدل الإلهي، والنبوة، والإمامة، والمعاد في يوم القيامة، بينما تشتمل فروع الدين على العبادات المعروفة من صلاة وصوم وحج وزكاة، إضافة إلى الخمس، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتولي لأولياء الله والتبري من أعدائهم. ويتوزع أتباع هذا المذهب اليوم في مناطق واسعة من العالم الإسلامي، حيث يشكلون الأغلبية في إيران والعراق وأذربيجان والبحرين، إلى جانب وجود وازن ومؤثر في لبنان والكويت والسعودية وباكستان وأفغانستان، محتفظين بهوية شعائرية مميزة تظهر جلياً في إحياء ذكرى عاشوراء واستشهاد الإمام الحسين، وزيارة العتبات المقدسة في النجف وكربلاء ومشهد وسامراء والكاظمية.
يُمثل الفكر الشيعي الإثنا عشري منظومة فكرية وعقدية متكاملة، تبلورت معالمها عبر مسار تاريخي طويل امتزجت فيه الأبعاد السياسية بالروحية. ومن الناحية الموضوعية، نجح هذا الفكر في بناء هيكلية تشريعية وفقهية صلبة قائمة على مؤسسة “المرجعية الدينية” والاجتهاد المفتوح، مما منح الطائفة قدرة عالية على التكيف التنظيمي والاستمرارية عبر العصور رغم التحديات التاريخية السياسية التي واجهتها.
وتظل قضية “الإمامة الغيبية” (المرتبطة بغيبة الإمام الثاني عشر وانتظار عودته) هي المحور الأساسي الذي يدور حوله الفكر الإثنا عشري، حيث تحولت من مجرد موقف سياسي تاريخي يتعلق بـ “أحقية الخلافة” إلى ركن عقدي غيبي يصبغ رؤية المذهب للكون والتشريع والسياسة، ويجعل من فكرة “العدالة المؤجلة” محركاً روحياً رئيساً لأتباعه.
_ هل يتفق هذا الفكر مع أهل السُنّة والجماعة؟
عند المقارنة بين الفكر الإثني عشري ومذهب أهل السُنّة والجماعة، نجد أن هناك مساحات من الاتفاق الجذري في كليات الدين، توازيها خلافات جوهرية في الأصول العقائدية والتشريعية. ويمكن تلخيص المشهد كالتالي:
نقاط الاتفاق الأساسية:
القرآن الكريم: يتفق الطرفان على أن القرآن الكريم هو كتاب الله المنزل على نبيه، وهو المصدر الأول للتشريع، والقبلة واحدة، والعبادات الكبرى (كالصلوات الخمس، وصيام رمضان، وحج بيت الله الحرام) محل اتفاق في أصولها وفرائضها.
محبة آل البيت: يشترك أهل السُنّة مع الشيعة في وجوب محبة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم واحترامهم وتقدير مكانتهم الروحية والتاريخية.
نقاط الخلاف الجوهرية (مكمن عدم الاتفاق):
مفهوم الإمامة والعصمة: يرى أهل السُنّة أن الإمامة (الحكم ورئاسة الدولة) هي من المسائل السياسية المصلحية الفروعية التي تُترك لاختيار الأمة وشوراها، وأن العصمة لا تكون إلا للأنبياء في التبليغ. بالمقابل، يرى الإثنا عشرية أن الإمامة أصل من أصول الدين كالنبوة، تُحدد بالنص الإلهي، وأن الأئمة الاثني عشر معصومون كعصمة الأنبياء تماماً.
مفهوم “السُنّة النبوية” ومصادر الحديث: السُنّة عند أهل السُنّة هي كل ما أُثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، ونُقل عبر الصحابة العدول (مثل صحيح البخاري ومسلم). أما عند الإثني عشرية، فالسُنّة تشمل أقوال وأفعال الأئمة المعصومين أيضاً، ويرفضون أغلب مرويات الصحابة، ويعتمدون على كتبهم الحديثية الخاصة (كـ “الكافي”) التي تروى من طريق آل البيت فقط.
الموقف من الصحابة: يعتقد أهل السُنّة بعدالة الصحابة جميعاً والترضي عنهم (أبو بكر، عمر، عثمان، وبقية الصحابة). في حين يرى الفكر الإثنا عشري أن غالبية الصحابة قد حادوا عن الوصية النبوية بعد وفاة الرسول ﷺ بتركهم بيعة علي بن أبي طالب، مما يترتب عليه موقف سلبي حاد تجاه الخلفاء الراشدين الثلاثة الأوائل وأمهات المؤمنين (كعائشة رضي الله عنها).
إن الفكر الإثنا عشري لا يتفق مع مذهب أهل السُنّة والجماعة في الأصول الاعتقادية والتشريعية الكبرى (كالإمامة، والعصمة، وعدالة الصحابة، ومصادر تلقي الحديث)، وإن كانا يلتقيان في المظلة الإسلامية العامة وكليات العبادات وإعظام النص القرآني.







