اسلاميات

دركات العذاب الأبدي وسراديب الشقاء المقيم في جهنم

جهنم مأوى الطغاة والمنحرفين في الدار الآخرة وسجن الله الأكبر الذي أعده لمن عصى أمره وكذب رسله وهي دار البوار ومستقر الشقاء الأبدي الذي لا فكاك منه ولا راحة لساكنيه وقد تواترت النصوص من الكتاب والسنة المطهرة لترسم صورة بالغة الهول والفظاعة لهذا العذاب الأليم حتى لتكاد القلوب تذوب رعبا من ارتياده وتتقطع الأفئدة من هول وصفه وحراره العظيم استهلالا لذكرها العظيم فإنها دار تفوق الوصف في عمقها ومداها فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما يعكس سحيق قعرها حين جلس مع الصحابة رضي الله عنهم فسمع وجبة وصوتا عظيماً فقال: (أتدرون ما هذا؟) قالوا الله ورسوله أعلم قال: (هذا حجر رمي به في جهنم منذ سبعين خريفا، فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها). هذا العمق الهائل يترجم جزءا يسيرا من هول سعتها التي أشارت إليها الآيات الكريمة في قول الله تعالى: (يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد)، فهي تستوعب الأمم الغابرة واللاحقة من المجرمين والعصاة دون أن يمتلئ جوفها الواسع الفسيح لما ورد في الصحيحين من أن النار لا تمتلئ حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول: (قط قط)، أي حَسبي وحَسبي، وينزوي بعضها إلى بعض ويزداد وعيدها هيبة ورهبة أما عن طبيعة جدرانها ومادة إقدامها وسعرها فإنها ليست كنار الدنيا التي نعرفها ونتدفأ بها بل هي نار عظيمة مباينة لها كل المباينة إذ أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن: (ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم)، قيل يا رسول الله إن كانت لكاِفية فقال: (فضلت عليهن بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها)، وهو تفاوت يذهل العقول وينبئ عن حرارة لا طاقة لأخلاط البشر بتحملها وتتجسد أهوال هذه الحرارة والاصطلاء في كيفيتها البالغة التأثير على الأبدان حيث تبلغ القلوب الحناجر وتتسعر لتصل إلى الأفئدة كما وصفها القرآن الحكيم بقوله: (نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة * انها عليهم مؤصدة * في عمد ممددة)، فتتغلغل حرارتها حتى تحرق القلوب وتصل إلى الأحشاء كشفا لدقة التعذيب وإيلامه المستمر ولا تقتصر أهوال جهنم على الحر الشديد واللظى المستعر فحسب بل تزداد نكاية بقرينتها السخونة والزمهرير وهو البرد القارس الذي يصل إلى درجات تحطم العظام وتفصل المفاصل كما ورد في تفسير الزمهرير بأنه البرد الشديد الذي يتأذى أهل النار من برودته كما يتأذى من حره بل أشد حتى يطلبوا الاستغاثة من الزمهرير إلى الحر فيلقون في نار مسعرة أشد حرارة توازنا بين طريقتي التعذيب المزدوجة المتطرفة وأما عن أهل النار وسراديبهم وألبستهم فقد أعدت لهم سرابيل من قطران وتغشى وجوههم النار تفصيلا دقيقا لقوله تعالى: (سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار)، ولباسهم الذي يتدثرون به هو قطع من الليل البهيم المظلم والنار المشتعلة وحلل من نار تقطع لهم كما جاء في سورة الحج: (فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم * يصهر به ما في بطونهم والجلود * ولهم مقامع من حديد * وكلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيذوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب الحريق). وهذا الحميم المذكور هو الماء الحار الذي بلغ غايته في الحرارة فإذا أهروي به إلى وجوههم تشوت واقتربت الأمعاء وتقطعت حتى تخرج من دبرهم استسقاء لعطشهم الدائم كأنهم الإبل الهيم التي لا تروى بماء بل ترد حميما قطعت أمعاءهم وأما طعامهم فهو شجر الزقوم الشجر الذي يخرج في أصل الجحيم ططلعها كأنهم رؤوس الشياطين فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم أي خليطا من الماء شديد الحرارة يغلي في البطون كغلي الحميم والمهل وهو الدردي المذاب كالزيت الفاسد أو النحاس المذاب الذي يشوي الوجوه إذا قرب منها بئس الشراب وساءت مرتفقا هذا فضلا عن طعام آخر وهو الضريع لا يسنمن ولا يغني من جوع وهو شوك لا تأكله الدواب لنتانته وقبحه وجرمه العظيم وأما عن أهوال العقوبات والمشاهد النفسية والبدنية التي يعاني منها أهل النار فتتجلى في تحول الهيئات وتضخم الأجسام لتكون أقدر على تحمل العذاب وليضاعف لها الألم إذ ورد في السنة المطهرة أن: (ضرس الكافر مثل أُحُد وعرض جلده مسيرة ثلاث)، لتكون المعاناة أشد وأوسع إدراكا للألم وكذلك ما ورد من إسقاط الأمل واليأس التام الذي يعتريهم حين يؤتى بالموت على صورة كبش ذبح بين الجنة والنار ثم ينادي منادي: (يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت)، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم وانكسارا إلى انكسارهم وينقطع الأمل نهائيا في النجاة أو التخفيف ولو لساعة واحدة بل ويستغيثون بخزنة جهنم داعين ربهم ليخفف عنهم يوما من العذاب فيأتي الجواب الخازني المؤلم: (ألم تك تأتيكم رسلكم بالبيانات قالوا بلى قال فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال)، ويستغيثون بمالك خازن جهنم قائلين: (يا مالك ليقض علينا ربك)، فيجيبهم بعد ألف سنة: (إنكم ماكثون)، لا يفتر عنهم العذاب وهم فيه مبلسون وينقلب جلساؤهم وأحباؤهم في الدنيا إلى أعداء وأخصام يتلاعنون فيما بينهم وكلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا ادركوا جميعا فيها قالت أخراهم لأولاهم: (ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون). وقال الشيطان لما قضي الأمر: (إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخمي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم). وحين يعجزون عن دفع هذا العذاب بكل وسيلة يتمنون الفناء المطلق والموت الذي يخلصهم من هذه المعاناة فينادون بالويل والثناء المتكرر ويقولون: (يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين)، ولكن هيهات هيهات أن يرجعوا أو ينالوا بغيتهم إذ حُق عليهم القول وكتب عليهم الشقاء الأبدي بما قدمت أيديهم وبما كسبت جوارحهم من إعراض عن الحق واستهزاء بالرسل وتكذيب بالبعث والنشور فتبقى جهنم على الدوام سجن الظالمين ومثوى الطغاة والمستكبرين مصداقا لقوله تعالى: (إن جهنم كانت مرصادا * للطاغين مآبا * لبثين فيها أحقافا * لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا * إلا حميما وغساقا * جزاء وفاقا * إنهم كانوا لا يرجون حسابا * وكذبوا بآياتنا كذابا * وكل شيء أحصيناه كتابا * فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا).

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا