اسلاميات

الأسطورة التاريخية والدينية لخاتم النبي سليمان

يُعد خاتم سليمان واحداً من أكثر الرموز الأثرية والروحية غموضاً وشهرة في الذاكرة الإنسانية المشتركة؛ إذ تقاطعت حوله روايات الأديان السماوية، والتراث الشعبي، والأدبيات الصوفية واليهودية لارتباطه في الخيال الجمعي بالسلطة المطلقة وتسخير الجن والكائنات. ولإعتماد مصادر أكيدة ومحققة، يجب أولاً فصل ما ورد في النصوص الدينية التاريخية، وما انفردت به كتب التراث والإسرائيليات، وما انتهى إليه البحث التاريخي والأثري الحديث؛ ففي القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، ذكر الله تعالى نبيه سليمان بإسهاب وتحدث عن ملكه العظيم وتسخير الريح والجن له، ولكن لم يرد في القرآن الكريم أي ذكر لفظي أو صريح لخاتم أو أداة سحرية سُميت بخاتم سليمان. بينما وردت في كتب التراث آثار وأحاديث ضعيفة حول صخر الجن والخاتم، حَكَم عليها محدثُّو الأمة بأنها لا تصح، ليؤكد المحققون أن الاعتماد على قصص الخاتم الخارقة يعود في مجمله إلى الإسرائيليات التي تسربت إلى كتب التفسير والتاريخ الإسلامي المبكر. أما في التراث اليهودي كالتلمود وكتب الأساطير الحاخامية، فيعود الجزء الأكبر من تفاصيل الخاتم؛ حيث يذكر التلمود أن سليمان استمد جزءاً من سلطته من خاتم نُقشت عليه رموز مقدسة سيطر من خلالها على العوالم السفلية والشياطين. وتختلف الروايات الشعبية والتراثية بشكل كبير حول ما كان منقوشاً على الخاتم لتنقسم إلى اتجاهين رئيسيين: هما الرمز الهندسي المتمثل في النجمة السداسية أو الخماسية التي شاعت في التراث الشرقي الإسلامي الوسيط وكتب علم الحرف كالْبوني في «شمس المعارف» باعتبارها شكلاً هندسياً مركباً تحيط به رموز طلاسمية وحروف سرية عُرفت بالخاتم السليماني، والتي تحولت لاحقاً إلى رمز شجاع وثقافي استخدم في العصور العثمانية ودخل في رايات بعض الإمارات وقادة البحار كخير الدين بربروس وشعارات بعض الدول، قبل أن ترتبط حصراً بالدولة الحديثة لإسرائيل. والاتجاه الثاني يتمثل في النقش العبري أو السرياني الذي يزعم التوراتيون وكتب الأساطير اليهودية أنه نُقش فيه اسم الله الأعظم أو عبارات تسبيح وتقديس مثل «الملك لله وحده» أو «القدرة لله العلي العظيم». ومن الناحية التاريخية والعلمية البحتة، لا وجود مادي لأي خاتم سحري يعود للنبي سليمان لعدم توفر أي دليل مادي أو قطعة متحفية تثبت وجود هذه الأداة في المواقع الأثرية، في حين تعددت الروايات في القصص الأسطورية والتراثية مثل حكايات «ألف ليلة وليلة» والتلمود حول مآل الخاتم وضياعه، كقصة الصياد والسمكة التي تحكي عن فقدان سليمان لخاتمه حتى عثر عليه صدفة في بطن سمكة اشتراها فاسترد ملكه وسلطانه، أو قصة دفنه تحت الهيكل أو في مغاور مجهولة وهي موروثات غنوصية وسرية زعمت دفن الخاتم في مكان حصين تحت هيكل سليمان في القدس، وهو الاعتقاد الذي غذى حملات التنقيب التاريخية لفرسان الهيكل بحثاً عن كنوز سليمان وخاتمه المزعوم. ليُجمع المؤرخون والباحثون المحققون في النهاية على أن خاتم سليمان، بكل ما يُنسب إليه من قدرات خارقة، يندرج ضمن الأساطير التأسيسية والتراث الشعبي الذي ساهم الخيال البشري والأدب الروحي في تضخيمه عبر القرون؛ فلقد كان النبي سليمان مَلِكاً نبيّاً عظيماً أكرمه الله بمعجزات ثابتة في النصوص المقدسة، إلا أن التفاصيل السحرية المتعلقة بالخاتم والطلاسم تظل مجرد سرديات خيالية لا أصل لها في التاريخ المحقق أو العقيدة الصحيحة.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا