
تعيش الساحة السياسية والمؤسساتية في المغرب على وقع مخاض دقيق ومفصلي، تتداخل فيه صرامة النصوص الدستورية مع تعقيدات الهندسة الحزبية، وذلك عقب إسدال الستر على محطة الاستحقاقات التشريعية التي أعادت تشكيل الخريطة البرلمانية، وأفضت إلى تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للمشهد الانتخابي برصيد سبعة وتسعين مقعداً. وبناءً على الفصل السابع والأربعين من الوثيقة الدستورية، وفي سابقة تاريخية تعد الأولى من نوعها في مسار الديمقراطية المغربية، أسند العاهل المغربي الملك محمد السادس مهمة رئاسة الحكومة وتشكيلها إلى السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة. هذا التعيين الوازن لم يقتصر دلالته على كونه انتصاراً سياسياً لحزب “الجرار”، بل دشن عهداً جديداً بتقلد امرأة لمقاليد السلطة التنفيذية الأولى في المملكة، مما يضع المؤسسات الحزبية والوطنية أمام اختبار حقيقي لترسيخ الكفاءة وتدبير مرحلة تتسم بتحديات اقتصادية واجتماعية ضاغطة، حيث وجد حزب الأصالة والمعاصرة نفسه أمام معادلة حسابية وسياسية معقدة؛ فصدارة الانتخابات لا تعني بحال من الأحوال امتلاك مفاتيح الأغلبية المطلقة بمفرده، والتي تتطلب بلوغ عتبة 198 مقعداً في مجلس النواب، وهو واقع رقمي يضع الرئيسة المكلفة أمام مشاورات شاقة وماراثونية لترميم ائتلاف حكومي متجانس وقادر على الصمود أمام التحديات البرلمانية والتشريعية.
وتشير القراءات الأولية لكواليس المشاورات إلى أن الخيارات مطروحة على بساط البحث بعناية فائقة، فبينما أفرزت صناديق الاقتراع تقارباً في مواقع أحزاب الأغلبية السابقة — كتراجع التجمع الوطني للأحرار وحلول حزب الاستقلال في المرتبة الثالثة — فإن إمكانية تجديد التحالف الثلاثي أو إعادة هندسته تظل واردة بقوة لضمان حزام برلماني مريح يتجاوز الأغلبية المطلقة بأريحية، مستحضرين تجارب سابقة أثبتت أن الاستقرار الحكومي رهين بمدى تقارب البرامج وتماسك الأجنحة المكونة للائتلاف، وفي المقابل بدأت ملامح المعارضة تتبلور بشكل حاد بعدما أعلن حزب العدالة والتنمية، عبر مؤسساته التقريرية، عن قراره الحاسم بعدم المشاركة في التشكيلة الحكومية والتموضع في صفوف المعارضة البرلمانية رافضاً أي صيغة للالتحاق بالائتلاف القائد، وهو ما يفرز مشهداً برلمانياً ثنائياً واضح المعالم يضع الحكومة المرتقبة أمام معارضة يقظة ومؤطرة برلمانياً لتضاعف من مسؤولية المنصوري في اختيار شركاء يتقاسمون معها الرؤية الاستراتيجية لتنزيل الأورش الكبرى ولا سيما ورش الحماية الاجتماعية والدعم المباشر والإصلاحات الهيكلية.
ولم تكد الأجواء الاحتفالية لإعلان النتائج تهدأ حتى فتحت الجبهة القضائية على مصراعيها، مستقطبة اهتمام الفاعلين السياسيين والرأي العام على حد سواء مع انطلاق “حرب الطعون” رسمياً أمام المحكمة الدستورية وفي ردهات المحاكم في ظل سعي الأحزاب السياسية لحماية مكاسبها أو استدراك ما فاتها عبر بوابة القضاء الانتخابي، حيث أعلنت عدة أحزاب وازنة، من ضمنها حزب الاستقلال وحزب العدالة والتنمية وتحالف اليسار، عن وضع أو التحضير لعرائض طعن رسمية تتعلق بدوائر انتخابية ساخنة تتمحور حول اختلالات مسطرية مرتبطة برفض بعض رؤساء مكاتب التصويت تسليم نسخ محاضر العمليات الانتخابية لممثلي لوائح الترشيح أو بسبب التقارب الشديد في عدد الأصوات وفصلها بهوامش ضيقة جداً، وبالرغم من أن عدد الطعون المسجلة يظل تقليدياً جزءاً مألوفاً من المسار الانتخابي مقارنة بالمحطات السابقة، إلا أن ثقلها الرمزي والسياسي يكمن في قدرة المحكمة الدستورية على إعادة النظر في بعض المقاعد أو إقرار حالات شغور تستوجب تنظيم انتخابات جزئية، مما يجعل الأحزاب في سباق مع الزمن تتداخل فيه ضغوط مشاورات تشكيل الحكومة مع هاجس التأمين القانوني للمقاعد البرلمانية، ليفرض على رئيسة الحكومة المكلفة إدارة هذين الملفين بحنكة سياسية عالية لضمان استقرار الأغلبية المنشودة بعيداً عن أية مفاجآت قضائية محتملة، ويظل تولي فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة تتويجاً لمسار مسائي وحزبي متميز واختباراً ميدانياً لقدرة النخبة السياسية على إدارة التوافقات في لحظة دقيقة تمر منها البلاد بين رغبة الأغلبية الجديدة في الإسراع بإخراج حكومة قوية ومنسجمة قادرة على تنزيل التوجيهات الملكية والانتظارات الاجتماعية، وصخب الطعون الانتخابية التي يبت فيها القضاء الدستوري، لتبقى بوصلة المؤسسات المغربية مرهونة بمدى نضج التجربة الديمقراطية في تغليب مصلحة الوطن، وتحويل التجاذبات السياسية إلى طاقة عطاء وبناء مؤسساتي متين.




