
يشهد المشهد السياسي والبرلماني بالمغرب تحولات وازنة وحراكاً حثيثاً مع انطلاق الدورة البرلمانية الخريفية، حيث تتجه الأنظار نحو المؤسسة التشريعية لاستكمال بناء هياكلها وانتخاب قيادتها بما يعكس الخريطة السياسية والتوازنات الجديدة. تأتي هذه التحركات في أعقاب محطة افتتاح الدورة التشريعية التي رسمت ملامح التوجهات العامة والأولويات الوطنية الكبرى، مما يضع الأحزاب السياسية بمختلف مكوناتها من الأغلبية والمعارضة أمام اختبار حقيقي لترجمة هذه التوجيهات إلى مبادرات تشريعية وسياسات عمومية ملموسة. وفي هذا السياق، تعيش الساحة السياسية مرحلة من الدفء التنظيمي والتدافع النيابي المحموم مع انطلاق الجلسات الحاسمة لإعادة هيكلة مجلس النواب، حيث تكثف الفرق البرلمانية والمكاتب السياسية لمختلف الأحزاب اجتماعاتها التنسيقية والمشاورات المكثفة للتوصل إلى توافقات وازنة. ويتجاوز هذا التدافع البعد الإجرائي والشكلي ليصل إلى عمق الهندسة السياسية التي فرضتها نتائج المحطات الانتخابية وتوازنات التحالفات الحكومية القائمة، إذ تبرز في صلب هذه الدينامية رغبة حزب الأصالة والمعاصرة وحرصه الشديد وتشبثه الصريح بنيل رئاسة مجلس النواب، باعتبارها موقعاً استراتيجياً ومحورياً يحفظ وزنه السياسي والانتخابي داخل معادلة القرار التشريعي والتنفيذي. ويرى المحللون السياسيون في إصرار “البام” على القيادة التشريعية خطوة محسوبة لتأكيد مقدرته على إدارة التوازنات بين العمل الحكومي وضمان النجاعة البرلمانية، في وقت تسعى فيه بقية الفرقاء والفعاليات الحزبية، سواء داخل الأغلبية أو في صفوف المعارضة، إلى ضمان تموقع يضمن استقلالية الدور الرقابي واستيعاب التحولات المجتمعية المتسارعة. إن الرهانات المطروحة اليوم على الأجندة البرلمانية والسياسية تتجاوز حدود ترتيب البيت الداخلي للمؤسسة التشريعية أو منطق المحاصصة الدورية، لتلامس قضايا ذات أولوية مجتمعية واقتصادية بالغة الأهمية، في مقدمتها تعزيز أسس الدولة الاجتماعية، وتسريع وتيرة الإصلاحات الإدارية والهيكلية، وإيجاد حلول مبتكرة للحد من التحديات الاقتصادية وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. كما تفرض هذه المرحلة على النخب السياسية إعادة صياغة الخطاب السياسي بروح عالية من المسؤولية والنجاعة لبناء ثقة أعمق لدى الشارع، متجاوزة السجالات العابرة نحو تعاطٍ مرن وفعال مع كافة التطورات الوطنية والإقليمية للنهوض بمسار التنمية وتحقيق تطلعات المجتمع المغربي.







