
تُمثّل ظاهرةُ «جبروت» في جوهرها نموذجاً كلاسيكياً لما يُعرف في عقيدة الاستخبارات الحديثة بعمليات «الاختراق والتسريب» داخل المنطقة الرمادية، وهي استراتيجية لا تقوم على عمل القراصنة الهواة أو النشطاء المستقلين كما تحاول الواجهة الدعائية تسويقه، بل تستند إلى غرف عمليات استخباراتية منظمة تستخدم أسلوب «غسيل المعلومات» عبر خلق كيانات رقمية وهمية على منصات مشفرة ومفتوحة. وتكمن الوظيفة الأساسية لهذه الواجهة في تلقي قواعد بيانات إدارية أو وثائق مسربة جرى الاستحواذ عليها عبر هجمات تصيد احتيالي موجه، أو استغلال ثغرات في أنظمة معلوماتية فرعية ومزودي خدمات خارجيين، ثم ضخها للعلن بعد مزج الصحيح منها بالمفبرك في عملية هندسة نفسية معقدة. إن الهدف من وراء «جبروت» ونسخها السابقة التي ظهرت بأسماء مستعارة منذ عقد من الزمن لا يتمثل في تحقيق مكسب تقني بحت، بل في صناعة سردية إعلامية وإدراكية توحي بوجود انكشاف أمني أو اختراق في بنية الدولة المغربية، ومحاولة إرباك المؤسسات وزعزعة الثقة الداخلية في توقيتات مدروسة بعناية فائقة تتزامن دائماً مع استحقاقات دبلوماسية كبرى أو تحولات جيوسياسية إقليمية.
ويتطلب الغوص في البنية التقنية والسيبرانية لهذه الظاهرة فهمَ طبيعة «التهديدات المستمرة المتقدمة» التي تُدار بتمويل دولي؛ إذ لا تعمل مجموعة «جبروت» بوصفها فريق اختراق تقني فحسب، بل بوصفها حلقةَ الوصل الأخيرة في سلسلة استخباراتية تبدأ بالاستطلاع الشبكي والمسح المستمر للخوادم، مروراً بشراء بيانات مسربة من الأسواق المظلمة أو تجنيد عناصر بشرية للوصول إلى وثائق إدارية، وصولاً إلى مرحلة التوظيف النفسي والإعلامي. وتعتمد هذه العمليات على تكتيك «الإغراق المعلوماتي» الذي يهدف إلى استنزاف فرق الاستجابة لطوارئ الحاسوب وإشغال الرأي العام ببيانات ضخمة الحجم لكنها في الغالب ذات حساسية استراتيجية منخفضة، مثل لوائح إدارية أو مراسلات روتينية، يتم تضخيمها إعلامياً عبر ذباب إلكتروني وشبكات حسابات وهمية تُدار من غرف تحكم إقليمية ودولية لمنحها زخماً يفوق قيمتها الاستخباراتية الحقيقية. وتتجلى إحدى أخطر الإضافات الاستراتيجية هنا في تفكيك الباب الخلفي الذي استغلتْه شبكة «جبروت» عبر مزودي خدمات أجنبيين ومنصات رقمية وسيطة تُستخدم في المعاملات الإدارية الصغرى، حيث عمدت أجهزة الاستخبارات الجزائرية، بالتنسيق مع عناصر تقنية تابعة لجهات إقليمية ودولية متضررة من صعود المغرب، إلى زرع برمجيات خبيثة متقدمة من نوع «وايبر» و«سبيجوار» في شركات هندسية وبرمجية متوسطة تقدم خدمات رقمية لبعض الإدارات المحلية في شمال إفريقيا. ولم يكن الهدف من هذه العمليات سرقة أموال أو تخريب بنى تحتية بشكل مباشر، بل بناء «قواعد بيانات ظلالية» يتم تحديثها دورياً عبر استغلال ثغرات سلاسل التوريد الرقمي، لتستغلها أجهزة الاستخبارات في توقيتات الأزمات الكبرى عبر إطلاق تسريبات منتقاة بعناية لغرض الإزعاج والابتزاز النفسي والتشويش السياسي، وهو ما يعكس تحولاً خطيرأ في العقيدة العدائية نحو حروب العصابات السيبرانية التي تديرها دول بالوكالة.
ولا يمكن فصل هذه الحرب السيبرانية عن الحاضنة الجيوسياسية التي تغذيها، والمتمثلة في تقاطع مصالح استخباراتي معقد يجمع النظام الجزائري بدوائر نافذة داخل الدولة العميقة في كل من إسبانيا وفرنسا؛ فبينما تبدو المواقف السياسية المعلنة لحكومتي مدريد وباريس في السنوات الأخيرة متجهة نحو الاعتراف بمغربية الصحراء ومجاراة الرباط في ملفاتها السيادية، ظلّت أجنحة تقليدية داخل أجهزة الاستخبارات والأمن القومي في البلدين تنظر بقلق بالغ إلى الصعود الاستراتيجي للمملكة المغربية. وفي هذا الفراغ بين الدبلوماسية المعلنة والعمل السري، وجدت الأجهزة الجزائرية ضالتها لتقديم نفسها ممولاً وشريكاً وظيفياً لتلك الدوائر الأوروبية المتوجسة؛ إذ سخّرت الجزائر عائدات الغاز والنفط وأوراق العقود الاقتصادية لتغذية شبكات ضغط وتبادل معلومات استخباراتية تحت الطاولة، مستفيدةً من رغبة بعض النخب الأمنية الأوروبية في إبقاء المغرب تحت ضغط مستمر يمنعه من التحول إلى قوة إقليمية مهيمنة على الضفة الجنوبية للمتوسط.
وعلى صعيد متصل بالتعاون الاستخباراتي العابر للقارات، كشف الرصد الدقيق للتحركات الدبلوماسية والأمنية في صيف عام ألفين وستة وعشرين عن وجود غرف عمليات مشتركة سُمّيت بـ«خلايا رصد التمدد المغاربي»، وهي مكاتب تنسيق سرية أُقيمت في عواصم أوروبية وجنوب إفريقية تحت غطاء مراكز أبحاث ودراسات استراتيجية وهمية. تتولى هذه الخلايا مهمة تحليل كل خطوة يقوم بها المغرب في عمقه الإفريقي والأطلسي، وتحديداً مشاريعه الكبرى مثل مبادرة الدول الأفريقية المطلة على الأطلسي وميناء الداخلة وممر الغاز الإفريقي الأطلسي النيجيري المغربي. وحين اصطدمت هذه المشاريع الاستراتيجية بإرادة سياسية صلبة ودعم أمريكي إسرائيلي مطلق، عجزت تلك الدوائر عن تقديم بدائل تنموية أو منافسة اقتصادية حقيقية، فانكفأت نحو تفعيل الخيار الأمني الرخيص، متمثلاً في تمويل منصات مثل «جبروت» لنشر الأكاذيب وتزوير الوثائق واستهداف الرموز السيادية ومحاولة تخريب العلاقات بين الرباط وعواصم القرار الأوروبي عبر ابتزاز رخيص يعتمد على تسريبات وهمية مكشوفة المعالم.
وتلتقي مصالح هذا المثلث غير المعلن عند نقطة مركزية واحدة هي رفض خروج المغرب من عباءة «الشريك الخاضع» أو «الحديقة الخلفية»؛ فالدولة العميقة في فرنسا، التي تشكّلت عقيدتها لعقود طويلة حول احتكار النفوذ في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل، رأت في التمدد الاقتصادي والمالي والديني والأمني للمغرب داخل القارة الأفريقية، وفي تنويع الرباط لشراكاتها مع القوى الكبرى، تهديداً وجودياً لمصالحها التاريخية. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تنخرط أذرع إعلامية وحقوقية مرتبطة بدوائر استخباراتية فرنسية في حملات منسقة ضد المغرب، مثل قضية برنامج «بيغاسوس» أو التحركات داخل البرلمان الأوروبي، بالتوازي مع غضّ الطرف عن شبكات معادية تنشط فوق الأراضي الأوروبية بتنسيق وتمويل جزائريين، في محاولة للضغط على القرار السيادي المغربي وإجباره على العودة إلى بيت الطاعة التقليدي.
أما على الجانب الإسباني، ورغم التحول التاريخي للحكومة الإسبانية في ملف الصحراء المغربية تحت ضغط الواقعية السياسية، فإن عقيدة المؤسسة العسكرية وجزءاً من مركز الاستخبارات الوطني الإسباني ظلت محكومة بهاجس تاريخي يرى في تحديث الجيش المغربي، وتعاظم قدراته البحرية والجوية، ومشاريعه الاستراتيجية الكبرى مثل ميناء طنجة المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي وترسيم الحدود البحرية قبالة جزر الكناري وجبل «تروبيك» الغني بالمعادن النادرة، خطراً استراتيجياً يهدد التفوق النوعي الإسباني ووضع مدينتي سبتة ومليلية. هذا الهاجس دفع أجنحة استخباراتية إسبانية إلى إبقاء قنوات تنسيق سرية وعميقة مع الاستخبارات الجزائرية لتبادل التقديرات الأمنية والبيانات التقنية، ومحاولة خلق توازن ردع خفي يقيّد حركة الرباط ويشغلها بجبهات استنزاف جانبية.
وتتطلب القراءة الاستخباراتية المعمقة لظاهرة «جبروت» الانتقال من التحليل النظري لحروب الجيل الخامس إلى التشريح الجنائي الرقمي للعمليات الميدانية التي نُفّذت بين عامي 2025 و2026؛ فالبصمة الجنائية التي تركتها هذه المجموعة خلال هجومها في شهر يونيو من عام 2025 على قاعدة بيانات منصة الموثقين والمحافظة العقارية، عقب استهداف سابق للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، أسقطت قناع «القرصنة المستقلة» إلى الأبد. ففي تلك العملية التي زعمت المجموعة أنها استولت فيها على 4 تيرابايت من البيانات تشمل تفاصيل 10000 وحدة عقارية من أصل 10 ملايين وحدة، أصدرت «جبروت» بياناً سياسياً يكشف هويتها ومشغليها دون مواربة، إذ أعلنت أن الهجوم جاء رداً على ما وصفته بتداول الإعلام المغربي لأنباء حول اعتزام فرنسا تجميد أصول مسؤولين جزائريين رفيعي المستوى، معتبرة أن ذلك شأن يخص باريس والجزائر وحدهما. هذا الإقرار المباشر مثّل الدليل القاطع في علم الاستخبارات الجنائية على أن «جبروت» ليست سوى ذراع سيبرانية تابعة لغرف العمليات العسكرية الجزائرية، تتحرك بأوامر سياسية للدفاع عن مصالح الجنرالات وأرصدتهم في أوروبا، وتستغل ثغرات في منصات خدمية وإدارية وسيطة للسطو على بيانات مدنية ثم إعادة تدويرها في قوالب استخباراتية.
وتجلّت الذروة العملياتية لهذا التوظيف الاستخباراتي المزدوج يوم 24 أغسطس 2026، حينما ضخت «جبروت» عبر منصة «تلغرام» 4 ملفات بصيغة «إكسيل» زعمت أنها تتضمن بيانات 70381 عنصراً منتمين إلى المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، مرفقة بملف منفصل يضم أسماء 21 مسؤولاً أمنياً رفيعاً على رأسهم المدير العام عبد اللطيف الحموشي. غير أن الفحص التقني الدقيق لهذه القوائم كشف زيف الادعاء بوجود اختراق للخوادم السيادية المؤمّنة للأجهزة الأمنية؛ إذ تبيّن أن البيانات المسربة تضم أسماء موظفين إداريين، وأسماء مركبة ومكررة، بل وأسماء أشخاص متوفين منذ 4 سنوات، ما يثبت تقنياً أن العملية اعتمدت على تكتيك «تجميع البيانات وتلويثها» عبر سحب قوائم إدارية قديمة من صناديق التغطية الاجتماعية أو السجلات المهنية التي يُسجّل فيها رجال الأمن كغيرهم من موظفي الدولة، ثم إعادة تقديمها للرأي العام الدولي بوصفها «قائمة تضم 70000 جاسوس مغربي».
إن الخيط الناظم الذي يفضح التواطؤ الاستخباراتي الثلاثي بين الجزائر ومدريد وباريس يكمن في «توقيت» تسريب 24 أغسطس 2026 و«رسالته الموجهة»؛ فقد قدّمت «جبروت» تلك الملفات رسمياً بوصفها «هدية إلى أوروبا، وإلى إسبانيا خصوصاً»، وربطتها بصورة مباشرة بأحداث الهجرة الجماعية التي شهدتها مدينة الفنيدق ومحيط مدينة سبتة المحتلة يوم 30 يوليو 2026، مدّعية امتلاكها نسخاً من «أوامر بمهمة» لعناصر أمنية مغربية تحركت نحو الفنيدق لتوجيه تدفق المهاجرين. هذا الربط المصطنع صُمّم بدقة في مختبرات المخابرات الجزائرية لضرب عصفورين بحجر واحد: أولهما نسف التقارب السياسي بين الرباط وحكومة مدريد الاشتراكية، وثانيهما تغذية عقيدة اليمين المتطرف والأجنحة المتشددة داخل الجيش ومركز الاستخبارات الوطني الإسباني التي تروّج لكون المغرب يمارس «حرباً هجينة» ضد إسبانيا للضغط في ملف سبتة ومليلية.
وما يثبت أن العملية لم تكن مجرد تسريب عشوائي، بل حلقة في غرفة عمليات مشتركة وعابرة للحدود، هو التناغم المذهل الذي حدث خلال 48 ساعة فقط بين المنصة المسربة في الجزائر، وكبريات الصحف المرتبطة بالدولة العميقة في فرنسا، والدوائر الأمنية والإعلامية في إسبانيا. ففي يوم 26 أغسطس 2026، أي بعد يومين فقط من التسريب، دخلت صحيفة «لوموند» الفرنسية على الخط بتحقيق متزامن مع حملتها التحريضية ضد المؤسسة الملكية المغربية، لتروّج لفرضية استخباراتية بديلة تزعم أن التسريب لم يكن هجوماً سيبرانياً خارجياً، بل عملية نفذها 5 عناصر سابقين في جهاز المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني يعيشون في المنفى داخل أوروبا. هذا التدخل الفرنسي من البوابة الإعلامية هدف إلى التغطية على الفاعل الجزائري الرسمي وتبرئته أمام القانون الدولي من جريمة القرصنة السيبرانية العابرة للحدود، وفي الوقت ذاته توجيه رسالة ابتزاز مبطنة للرباط مفادها أن العواصم الأوروبية تأوي عناصر منشقة وتستطيع تحريكها كأوراق ضغط متى شاءت.
وبالتوازي مع الغطاء الفرنسي، تلقفت الدوائر الاستخباراتية والإعلامية الإسبانية «هدية جبروت» بسرعة قياسية تكشف وجود تنسيق مسبق؛ إذ أعلنت تقارير إسبانية أن مركز الاستخبارات الوطني الإسباني بدأ فوراً مطابقة ملفات «جبروت» مع سجلاته، لتخرج صحف قريبة من دوائر الأمن في مدريد مثل «ذي أوبجكتيف» و«إل ديباتي» و«ديموقراطا» يوم 27 أغسطس 2026 بنتائج تقاطعات دقيقة وموجهة سياسياً. فقد أعلنت تلك المنابر أن مطابقة قوائم «جبروت» مع لوائح السلك الدبلوماسي المعتمد في إسبانيا أظهرت وجود 5 أعضاء في السفارة المغربية بمدريد، من بينهم مستشار التحق بمنصبه يوم 2 فبراير 2026، إضافة إلى 11 نائب قنصل مغربي يعمل 8 منهم في قنصليات برشلونة ولاس بالماس ومورسيا والجزيرة الخضراء من أصل 12 قنصلية مغربية في التراب الإسباني، وهو ما تبعته فوراً دعوات من أحزاب ودوائر إسبانية لطرد دبلوماسيين مغاربة وتطويق العمل القنصلي المغربي الذي يشكل صلة الوصل الحيوية مع الجالية المغربية.
هذه الهندسة المتكاملة، التي تبدأ بتسريب جزائري ممهور بعقيدة الاختراق الروسية، وتمر بتأصيل سردي في باريس عبر «لوموند»، وتنتهي باستهداف جراحي للتمثيليات الدبلوماسية والقنصلية المغربية في إسبانيا، تعكس حجم الألم الاستراتيجي الذي أحدثه التحالف المغربي الأمريكي الإسرائيلي منذ عام 2020 في جسد هذا الثلاثي. فقبل هذا التحالف، كانت أجهزة الاستخبارات الفرنسية والإسبانية تتمتع بما يشبه «الاحتكار التقني والمعلوماتي» في غرب المتوسط، مستفيدة من اعتماد البنية التحتية للاتصالات والتشفير في شمال أفريقيا على الشركات الأوروبية، ما كان يتيح لباريس ومدريد هامشاً واسعاً من الرصد والتنصت والتأثير الخفي.
وفي خضم هذه الهندسة الإقليمية التي صُمّمت لإبقاء المغرب محاصراً بين مطرقة العداء الجزائري وسندان الابتزاز الأوروبي، جاء التقارب المغربي الأمريكي الإسرائيلي وتوقيع الإعلان الثلاثي في أواخر عام 2020 ليمثّل زلزالاً جيوسياسياً حقيقياً، وكان بمثابة وبالٍ استراتيجي قلب الطاولة على رؤوس المتآمرين جميعاً. وتجلّت الصدمة الأولى في كسر «ورقة الابتزاز المزمن»؛ فاعتراف الولايات المتحدة الأمريكية، بوصفها القوة العظمى الأولى وصاحبة القلم في صياغة قرارات مجلس الأمن، بالسيادة الكاملة للمغرب على صحرائه، جرد فرنسا وإسبانيا من أداة الضغط الرمادية التي استنزفتا بها المغرب اقتصادياً وسياسياً لنصف قرن، كما وجّه ضربة قاضية لعقيدة النظام الجزائري الذي استثمر مئات المليارات من الدولارات في مشروع الانفصال دون جدوى.
غير أن الضربة الأشد إيلاماً لأجهزة الاستخبارات في الجزائر ومدريد وباريس كمنت في الشق العسكري والتكنولوجي والسيبراني لهذا التحالف؛ إذ ظلّت العواصم الأوروبية لعقود تتحكم في سقف التسلح المغربي وتفرض قيوداً غير معلنة تضمن تفوق الجيش الإسباني وتُبقي البنية التحتية الاستخباراتية المغربية معتمدة على التكنولوجيا الفرنسية. ومع دخول واشنطن وتل أبيب في شراكة دفاعية واستخباراتية مفتوحة مع الرباط، سقط هذا الاحتكار الأوروبي إلى الأبد؛ فحصل المغرب على منظومات دفاع جوي وصاروخي متطورة مثل «باراك إم إكس»، وطائرات مسيرة هجومية واستطلاعية فائقة الدقة، وتقنيات حرب إلكترونية متقدمة، وأقمار صناعية تجسسية من طراز «أوفيك 13» أنهت الارتهان للأقمار الفرنسية، فضلاً عن ترسانة أمريكية نوعية شملت راجمات «هيمارس» ومروحيات «أباتشي» ومقاتلات «إف 16 فايبر».
وعلى صعيد الأمن السيبراني والاستخبارات التقنية، منح التعاون الوثيق مع المنظومة السيبرانية الإسرائيلية ومع وكالات الاستخبارات الأمريكية لأجهزة الأمن المغربية قدرات رصد دفاعية وهجومية مضادة جعلتها قادرة على كشف شبكات التجسس التقليدية وإحباط العمليات السرية في مهدها، بل وتأمين البنى التحتية الحيوية بدرع تقني متقدم. ومع توقيع خارطة الطريق الدفاعية المغربية الأمريكية التي تمتد لـ 10 سنوات من 2020 إلى 2030، وإبرام اتفاقيات التعاون الأمني والسيبراني والاستخباراتي غير المسبوقة مع إسرائيل، أصيبت الأجهزة الأوروبية والجزائرية بحالة من «العمى الاستخباراتي» التام داخل التراب المغربي؛ فقد عملت المديرية العامة لأمن نظم المعلومات ومصالح الاستخبارات المغربية، بشراكة وثيقة مع القيادة السيبرانية الأمريكية والهيئة الوطنية للأمن السيبراني الإسرائيلية وخبراء «الوحدة 8200»، على إعادة هيكلة شاملة لمنظومة القيادة والسيطرة والاتصالات والتشفير العسكري والأمني في المغرب، وإغلاق جميع الثغرات والمنافذ الخلفية التي كانت تعتمد على التكنولوجيا الأوروبية القديمة.
وإلى جانب هذا الجدار السيبراني الفولاذي، مثّل انتقال المغرب نحو امتلاك تكنولوجيا الفضاء والاستطلاع الراداري الدقيق عبر التعاقد على قمرين صناعيين من طراز «أوفيك 13» الإسرائيليين نهايةً رسمية لاحتكار فرنسا لصور الأقمار الصناعية التي كان يوفرها القمران «محمد السادس أ» و«محمد السادس ب» المصنعان فرنسياً، مما منح الرباط استقلالية كاملة في رصد التحركات العسكرية الجزائرية في العمق الصحراوي ومراقبة المضيق والسواحل الأطلسية والمتوسطية بدقة سنتيمترية على مدار 24 ساعة. وحينما عجزت غرف العمليات في الجزائر وباريس ومدريد عن اختراق هذه النواة السيادية الصلبة المحصنة بالتكنولوجيا الأمريكية والإسرائيلية، أو إيقاف توطين الصناعات الدفاعية والمسيّرات الهجومية وأنظمة الحرب الإلكترونية فوق الأرض المغربية، لم تجد أمامها سوى اللجوء إلى الحيلة اليائسة المتمثلة في سرقة قوائم إدارية وعقارية واجتماعية قديمة، وتغليفها تحت اسم «جبروت»، لخوض معركة تشويش إعلامي ودبلوماسي تكشف في جوهرها عن عجز استخباراتي عميق أمام دولة غيّرت قواعد اللعبة الإقليمية إلى الأبد.







