
لم يعد المشهد السياسي في باريس مجرد أزمة حكومية عابرة أو خلاف تقني حول الميزانية العامة، بل تحوّل، وفق ما تُجمع عليه كبريات الصحف الفرنسية وفي مقدمتها «لوموند» و«لوفيغارو»، إلى أزمة نظام كاملة تهدد أسس الجمهورية الخامسة ذاتها. وحين تتردد في شوارع باريس وليون ومرسيليا شعارات تطالب برحيل إيمانويل ماكرون، فإن هذا الغضب لا ينبع من فراغ، بل هو حصيلة تراكمية لسنوات من «الماكرونية» التي وُعد الفرنسيون في بدايتها بأنها ستتجاوز انقسامات اليمين واليسار، فإذا بها تتحول في نظر قطاع واسع من المجتمع إلى سلطة عمودية متعالية ومغتربة عن الواقع المعيش. لقد شخّصت منصة «ميديابارت» وصحيفة «ليبيراسيون» هذا الشرخ العميق منذ حراك «السترات الصفراء»، حين ترسخت صورة ماكرون بوصفه «رئيس الأغنياء» الذي يفكك مكتسبات دولة الرفاه الاجتماعي لصالح الأوليغارشية المالية، قبل أن تبلغ الأزمة ذروتها مع تمرير قانون التقاعد قسراً عبر تفعيل المادة (49.3) الدستورية، وصولاً إلى مقامرته السياسية بحل الجمعية الوطنية؛ وهي الخطوة التي أدخلت فرنسا في شلل مؤسسي غير مسبوق، وجعلت قطاعات واسعة من الفرنسيين ترى في بقائه داخل قصر الإليزيه عقبةً أمام أي مخرج ديمقراطي سليم.
غير أن اختزال هذا الغليان في شخص الرئيس الفرنسي وحده يُغفل الحقيقة الأعمق التي التقطتها مجلة «الإيكونوميست» وصحيفة «فايننشال تايمز» البريطانيتان، وهي أن فرنسا ليست سوى البؤرة الأكثر التهاباً في موجة غضب عارمة تجتاح القارة الأوروبية من ألمانيا وهولندا إلى إيطاليا وبريطانيا. ويكمن سر هذه الموجة في انهيار الركائز الثلاث التي قامت عليها رفاهية القارة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ إذ تبخرت الطاقة الروسية الرخيصة التي كانت تغذي المصانع الكبرى في أعقاب حرب أوكرانيا، وتراجعت المظلة الأمنية الأمريكية غير المشروطة ما فرض أعباءً عسكرية منهكة على خزائن الدول، وتآكلت القدرة الشرائية للطبقة الوسطى تحت وطأة التضخم وارتفاع أسعار الفائدة وتفاقم الديون السيادية. لقد وجد المواطن الأوروبي نفسه أمام عقد اجتماعي متصدع، تفرض فيه النخب الحاكمة سياسات تقشفية وضرائب بيئية ثقيلة على المزارعين والعمال، بينما تعجز الأحزاب التقليدية عن تقديم بدائل حقيقية، وهو ما يفسر هذا التمرد الشعبي المزدوج الذي يتجلى في الإضرابات المليونية في الشوارع من جهة، وفي العقاب الانتخابي القاسي الذي يدفع بأحزاب اليمين الشعبوي واليسار الراديكالي إلى صدارة المشهد من جهة أخرى.
وإذا كانت المنابر الغربية ومراكز الفكر في باريس ولندن وواشنطن تكتفي بتوصيف هذه الظاهرة بوصفها أزمةً اقتصادية أو صعوداً للشعبوية، مُحجِمةً بدافع المركزية الأوروبية عن استعارة مفاهيم الشرق، فإن القراءة السياسية المتجردة تدفعنا إلى الجزم بأن ما يقع في قلب القارة العجوز اليوم ليس سوى «ربيع أوروبي» مكتمل الأركان، يتقاطع في جوهره ومحركاته مع ما شهده العالم العربي مطلع العقد الماضي. فحين نضع الوقائع التي توردها صحف مثل «الغارديان» و«لوموند ديبلوماتيك» تحت مجهر المقارنة، نكتشف أن المحرك الأساسي في الحالتين واحد؛ وهو انسداد أفق الارتقاء الاجتماعي أمام جيل شاب يدرك لأول مرة أنه سيعيش في مستوى معيشي أدنى من مستوى آبائه، إلى جانب تآكل الطبقة الوسطى، والشعور العارم بأن النخب الحاكمة باتت معزولة داخل أبراج عاجية لا تسمع أنين الشارع، فضلاً عن الدور المحوري لمنصات التواصل الاجتماعي في تعبئة الغضب وتجاوز السرديات الرسمية. وإن اختلف السياق المؤسسي بين ثورات عربية انفجرت ضد أنظمة شمولية مغلقة لانتزاع الحرية والكرامة، وحراك أوروبي ينفجر داخل أنظمة تعددية، فإن النتيجة واحدة؛ فالمواطن الأوروبي يثور اليوم لأنه أدرك أن صناديق الاقتراع لم تعد تغير شيئاً في السياسات النيوليبرالية المفروضة عليه، ما يجعل هذا «الربيع الأوروبي» انتفاضةً ضد ديمقراطيات شاخت وأُفرغت من مضمونها الاجتماعي.
هذا التوصيف يقودنا حتماً إلى التساؤل الأخطر حول إمكانية انتقال عدوى هذا «الربيع الأوروبي» مجدداً إلى الضفة الجنوبية للمتوسط وإصابة العالم العربي بارتداداته. والواقع أن العدوى تنتقل بالفعل، ولكن عبر قنوات اقتصادية واجتماعية صامتة قبل أن تكون سياسية؛ فأوروبا هي الشريك التجاري الأول والمنفذ الحيوي لاقتصادات شمال أفريقيا والمشرق، وأي ركود اقتصادي أو تضخم أو تشدد في سياسات الهجرة والتأشيرات في باريس وبرلين يُترجم فوراً إلى مزيد من البطالة وغلاء المعيشة وتراجع التحويلات المالية في البلدان العربية. وإذا كانت الشعوب العربية تعاني اليوم من حالة «إعياء ثوري» وحذر شديد ناتجين عن المآلات الدامية والحروب التي أعقبت موجة عام 2011، فإن دواعي الانفجار الاجتماعي في المنطقة العربية تظل أشد خطورةً واحتقاناً مما هي عليه في أوروبا؛ فبينما ينتفض المواطن الفرنسي أو الألماني دفاعاً عن سن التقاعد أو جودة الخدمات العامة، يواجه المواطن في العديد من الدول العربية تآكلاً كاملاً لمدخراته، وانهياراً للعملات الوطنية، وضغوطاً معيشية طاحنة تفرضها شروط المؤسسات المالية الدولية. لذلك، فإن استمرار الموجة الاحتجاجية في أوروبا وتطبيع مشهد محاصرة الحكومات بالضغط الشعبي قد يبدد تدريجياً حاجز الخوف أو اليأس في الشارع العربي، ليحول العدوى من مجرد أزمة اقتصادية مستوردة إلى موجة احتجاجات اجتماعية ومعيشية جديدة، ما لم تبادر الأنظمة العربية إلى قراءة الإنذار الأوروبي مبكراً وإعادة صياغة عقودها الاجتماعية والاقتصادية قبل وصول العاصفة.







