
تشهد المنظومة الدفاعية والاستراتيجية للمملكة المغربية تحولاً جذرياً يغير قواعد التوازن العسكري في شمال إفريقيا والمنطقة الأطلسية، مدفوعاً برؤية استراتيجية تروم توطين التكنولوجيا المتقدمة وتحقيق الاستقلال العسكري. وقد شكلت الفعاليات الكبرى لمعرض مراكش الدولي للطيران محطة فاصلة لتأكيد هذا الصعود الصناعي، لا سيما مع الإعلان عن مشاريع نوعية كطائرة “إريفي” الهجومية المجهزة بذكاء اصطناعي متطور وقدرات فريدة تتيح لها العمل بفعالية وسط أنظمة التشويش الكثيفة، مما يعكس انتقال المغرب من مرحلة استيراد السلاح إلى تصميمه وتصنيعه محلياً وفق معايير دقيقة تواكب حروب الجيل الجديد وتؤمن السيادة الجوية للمملكة بشكل مطلق.
تتجسد نقاط القوة الكبرى في العقيدة العسكرية المغربية الحديثة في التنسيق العالي بين الصناعة الوطنية وشراكات دولية استراتيجية تنتقيها الرباط بعناية فائقة لنقل المعرفة التقنية المتقدمة، فضلاً عن دمج الخوارزميات الذكية والأنظمة المستقلة في ميادين العمليات، وهو ما خلق منظومة ردع مرنة وذات كفاءة عالية قادرة على حماية الحدود الاستراتيجية والتصدي لأي تهديدات محتملة بكفاءة تشغيلية غير مسبوقة، بعيداً عن تقلبات أسواق التسليح العالمية أو ضغوطاتها السياسية والدبلوماسية.
هذا التقدم النوعي والمتسارع لم يمر دون إحداث رجات واسعة في الدوائر الجيوسياسية الإقليمية، إذ كشفت تسريبات دبلوماسية عن محاولات خفية ومناورات سرية قام بها الجانب الجزائري لمحاولة التسلل والمشاركة في فعاليات المعرض بصيغ غير مباشرة، في مفارقة تعكس حجم التناقض بين الخطاب الرسمي المتمثل في القطيعة المفتعلة، وبين السعي الحثيث للنظام الجزائري للاطلاع على حجم التطور التقني والعسكري الذي بات يحققه المغرب، والوقوف عن قرب على اتساع الهوة التكنولوجية لصالح الرباط.
ولم يقتصر الانزعاج على الجار الشرقي فحسب، بل امتد ليتشكل في قلق متصاعد لدى عواصم إقليمية ودولية أخرى اعتادت الإمساك بزمام التفوق العسكري في الحوض المتوسطي والإفريقي، حيث ترى هذه الأطراف في الصعود التكنولوجي والعسكري المغربي تهديداً لهيمنتها التقليدية وخللاً في موازين القوى، مما دفع بعضها إلى محاولة التشويش على مسار التحديث الدفاعي المغربي، دون أن تنجح في ثني المملكة عن مواصلة مسيرتها نحو بناء قوة ردع مستقلة تعيد رسم خارطة النفوذ الإقليمي وفق مصالحها العليا.
وبهذا التطور المتكامل، ترتبط هذه النهضة الدفاعية ارتباطاً وثيقاً بالرؤية الاستراتيجية الموجهة نحو الواجهة الأطلسية والفضاء الإفريقي، حيث تتجاوز المسيرات أدوار حماية الحدود لتتحول إلى ركيزة متقدمة لحماية الممرات البحرية وتثبيت الاستقرار الإقليمي، مؤكدة أن السيادة التكنولوجية والاقتصادية باتت واقعاً ملموساً ينقل المغرب من موقع المستهلك إلى منتج ومصنّع يدمج الكفاءات الوطنية الشابة، ويصون قراره السيادي بمعزل عن أي إملاءات أو ضغوط خارجية.







