اسلاميات

​دور الفقيه في بيان الدين ومراتب الاجتهاد وعظيم الثواب

​يحتل الفقيه في المنظومة الإسلامية مكانة رفيعة تتجاوز مجرد نقل النصوص وحفظها إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، ليكون بمثابة البوصلة التي تهدي الأمة إلى فهم مراد الله سبحانه وتعالى في مختلف شؤون الحياة المتجددة. إن دور الفقيه الجوهري يكمن في كونه حلقة الوصل بين النص الشرعي الثابت والواقع الإنساني المتغير، حيث يعمل بعقله المستنير بأصول الفقه وقواعد اللغة ومقاصد الشريعة على تفسير أمور الدين ورفع الإشكال عن المستفتين، امتثالاً للأمر الإلهي بالرجوع إلى أهل الاختصاص في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل: 43]، وقوله عز وجل في بيان وظيفة التفقه والإنذار: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [سورة التوبة: 122]. ولا يقتصر عمل الفقيه على بيان الحلال والحرام في العبادات والمعاملات فحسب، بل يمتد ليشمل حفظ الضرورات الخمس وتحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم، وهو ما يتطلب منه فهماً عميقاً للكتاب والسنة، وإدراكاً دقيقاً للواقع، وموازنة حكيمة بين النصوص الجزئية والمقاصد الكلية، مما يجعل الفقه في الدين علامة فارقة على إرادة الله الخير بالعبد، كما ثبت في الصحيحين من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037). وفي سبيل أداء هذه الأمانة العظيمة، يبذل الفقيه وسعه وطاقته في عملية الاجتهاد، وهي عملية عقلية ومنهجية شاقة تستفرغ الجهد في النظر في الأدلة الظنية للوصول إلى الحكم الشرعي في النوازل والمستجدات التي لم يرد فيها نص قاطع أو إجماع سابق. ولأن الاجتهاد في أمور الدين مسؤولية جسيمة، فقد أحاطه الإسلام بسياج من التكريم والتشجيع، ورفع الحرج عن المجتهد المؤهل متى ما بذل غاية وسعه وأخلص نيته لله، بل رتّب على هذا الجهد الذهني والروحي ثواباً عظيماً في الحالتين؛ حالة الإصابة وحالة الخطأ غير المقصود، ومصداق ذلك ما أخرجه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» (رواه البخاري: 7352، ومسلم: 1716). إن هذا الثواب الجزيل يعكس قيمة إعمال العقل في الإسلام، ويؤكد أن أجر الفقيه لا يتوقف فقط على النتيجة، بل يبدأ من شرف المحاولة وبذل الجهد في طلب الحق وتبيين الشرع للناس، ليظل الفقهاء والعلماء هم حملة مشاعل الهداية وحراس الشريعة في كل زمان ومكان، مستحقين بذلك أعلى مراتب الرفعة التي وعدهم الله بها في قوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [سورة المجادلة: 11]، ومجسدين بحق مقام الوراثة النبوية التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه: «وَإِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ»

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا