اسلاميات

التفسير النفسي والشرعي لطبيعة الإنسان في قوله تعالى وخلق الإنسان هلوعا

​القرآن الكريم كتاب حكيم نزل بلسان عربي مبين لبيان حقائق الوجود والكون والنفس البشرية، ومن أعمق الآيات التي صورت بدقة متناهية جبلة الإنسان وطبائعه النفسية قول الله تعالى في سورة المعارج: (وَخُلِقَ الْإِنسَانُ هَلُوعًا ۝ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جزوعًا ۝ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ۝ إِلَّا الْمُصَلِّينَ). وفي بيان سبب نزول هذه الآيات وما ألحقها من استثناء، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الكفار من قريش كانوا يقولون مستهزئين: لئن دخل محمد وأصحابه الجنة لَنَدْخُلَنَّها قبلهم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات لبيان حقيقة الإنسان وطبعه الذي فُطر عليه من الضعف والعجز إلا من ثبته الإيمان وأقامه الصلاة، كما جاء في تفسير الإمام ابن جرير الطبري والإمام ابن كثير والقرطبي رحمهم الله. و”الهلوع” في لغة العرب هو أشد الناس جزعاً وضيق صدر عند النوازل، وأبخلهم وأمنعهم للخير والنفع عند الرخاء والغنى، وهو ما فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله كما في الصحيحين: (شر ما في الرجل شح هالع، وجبن خالع)، فالإنسان بطبعه البشري المجرد عن الهداية الربانية يطغى إذا استغنى ويجزع إذا افتقر، وقد أجمع مفسرو الأمة كالبغوي والزمخشري أن هذا الخلق الذميم لازم لطبيعة الإنسان وجبلته الأصلية، ليبرز فضل الإيمان والعبادة في تهذيب هذه النفوس، حيث استثنى المولى عز وجل المصلين المحافظين على صلواتهم، الخاشعين فيها، المؤدين لحقوق أموالهم للسائل والمحروم، القائمين بالتصديق بيوم الدين، والخائفين من عذاب ربهم، فهؤلاء هم الذين سلموا من شر هذا الهلع بفضل الله واستقامتهم على شرعه ودينه القويم. وإن علم النفس الحديث يلتقي بشكل مذهل مع هذا التقرير القرآني؛ إذ يرى علماء النفس التحليلي والمعرفي أن النفس البشرية مفطورة بطبيعتها على غريزة “البقاء وحب الذات”، مما يجعلها عرضة لحالات حادة من القلق الوجودي، والشعور بالتهديد الوجداني عند مواجهة الأزمات والمحن، وهو ما يعبر عنه القرآن بالجزع عند مس الشَّر. وفي المقابل، يولد الاستغراق في النعيم البشري ميلاً نفسياً نحو التمركز حول الذات، والشح المتمثل في الاحتفاظ بالمكتسبات ورفض مشاركتها مع الآخرين، وهو التفسير العلمي لميل “المنوع” عن الخير. غير أن علم النفس التنموي والإيجابي يثبت بالدلالة العملية أن الممارسات الروحية المنتظمة والانتظام في العبادات، وعلى رأسها الصلاة بخشوع وتدبر، تعمل كآلية دفاعية عليا ومضاد نفسي قوي يخفف من حدة التوتر، وينظم الانفعالات، ويوسع دائرة الإيثار والتعاطف الاجتماعي، محولةً الإنسان من سجن الأنانية والجزع إلى رحاب السكينة النفسية والتوازن الروحي العميق الذي استثناه الله عز وجل في محكم كتابه، ليتحقق بذلك التوافق التام بين الوحي الإلهي والحقائق النفسية الثابتة.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا