
يشكّل الإمام علي بن أبي طالب، كرّم الله وجهه ورضي عنه، الظاهرة الأكثر فرادةً وعمقاً في التاريخ الإسلامي منذ لحظة البعثة النبوية وحتى يومنا هذا؛ إذ لم تجتمع قلوب المسلمين بمختلف مذاهبهم وفرقهم على محبة رجلٍ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما اجتمعت على محبة أبي الحسن، ولم تفترق عقولهم ومدارسهم الكلامية والسياسية حول شخصيةٍ كما افترقت حوله. إن الوقوف أمام سيرة ابن عم النبي وصهره، وأول الفتيان إسلاماً، وفارس بدرٍ وأُحدٍ والخندق وخيبر، يضع الباحث أمام مفارقةٍ تاريخيةٍ وعقائديةٍ كبرى: كيف تحوّل الرجل الذي أجمعت الأمة على فضله وسابقته، واتفقت صحاح السنة ومسانيدها مع جوامع الشيعة ومصنفاتها على أن حبه إيمانٌ وبغضه نفاق، إلى نقطة الارتكاز التي انشطرت عندها الرؤية الإسلامية الكبرى إلى مسارين عقائديين وسياسيين متباينين؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي الغوص في طبقات التاريخ والتأويل وعلم الكلام، واستنطاق المصادر الإسلامية كافةً من «صحيح البخاري» و«صحيح مسلم» و«مسند أحمد» و«منهاج السنة» و«فتح الباري» من جهةٍ، إلى «نهج البلاغة» و«الكافي» للكليني و«الإرشاد» للمفيد و«بحار الأنوار» للمجلسي من جهةٍ أخرى، لتفكيك البنية العميقة لهذا الإجماع العاطفي والانقسام العقائدي.
تبدأ مساحة الاتفاق المطلق بين السلف الصالح (أهل السنة والجماعة) والشيعة بمختلف فرقهم من الحقيقة التاريخية والنبوية الساطعة التي لا يماري فيها مسلم؛ فعلي بن أبي طالب هو ربيب البيت النبوي الذي نشأ في حجر المصطفى صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام، فلم يسجد لصنمٍ قط، ومن هنا جرى العرف الإسلامي في كثيرٍ من الحواضر السنية على تخصيصه بعبارة «كرّم الله وجهه» تنزيهاً لوجهه عن السجود لغير الله، إلى جانب الترضي عنه والسلام عليه. وهو الفدائي الأول الذي بات في فراش النبي ليلة الهجرة متشحاً ببردته الحضرمية، وهي الواقعة التي يربطها المفسرون من الفريقين، كما في «تفسير الطبري» و«المستدرك» للحاكم و«مجمع البيان» للطبرسي، بنزول قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. وهو زوج فاطمة الزهراء سيدة نساء أهل الجنة، ووالد السبطين الحسن والحسين ريحانتي رسول الله، وحامل الراية يوم خيبر بنص الحديث المتفق عليه في الصحيحين: «لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه». كما يلتقي الفريقان عند الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه والترمذي والنسائي في «خصائص أمير المؤمنين» عن عليٍّ قال: «والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي إليّ: أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق»؛ وبذلك أصبحت محبة علي بن أبي طالب عقيدةً راسخةً وجزءاً لا يتجزأ من إيمان المسلم السني والشيعي على حدٍّ سواء.
غير أن هذا الاتفاق التأسيسي في المحبة والتوقير يأخذ لدى السلف وأهل السنة والجماعة مساراً تحكمه ضوابط «الصحبة» و«العدالة» و«البشرية المجتهدة»؛ فعليٌّ في العقيدة السنية هو رابع الخلفاء الراشدين المهديين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأقضى الصحابة علماً وفهماً، بيد أن مكانته السامية تندرج ضمن منظومة التفاضل بين الصحابة الكرام دون أن تتجاوز السقف البشري إلى العصمة التي يقصرها أهل السنة على الأنبياء والمرسلين. ويستند السلف في ترتيب الخلفاء الأربعة في الفضل حسب ترتيبهم في الخلافة (أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي) إلى نصوصٍ صريحةٍ في «صحيح البخاري»، منها حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «كنا نخير بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان»، وإلى الرواية البالغة الدلالة التي أخرجها البخاري أيضاً عن محمد بن الحنفية (وهو ابن الإمام علي نفسه) قال: «قلت لأبي: أي الناس خيرٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجلٌ من المسلمين». ومع هذا الإجماع السني على تقديم الشيخين أبي بكر وعمر، فإن التراث السني المبكر اتسم بمرونةٍ واسعةٍ في مسألة المفاضلة بين عثمان وعلي؛ حيث ذهب جمعٌ من سلف أهل الكوفة وبعض أئمة الحديث كسفيان الثوري، وفي روايةٍ عن الإمام أحمد بن حنبل، إلى تفضيل عليٍّ على عثمان أو التوقف في ذلك، دون أن يقدح هذا في شرعية خلافة عثمان أو علي، بل قال الإمام أحمد مقولته الشهيرة التي أرسى بها ركناً من أركان عقيدة السلف: «من لم يربّع بعليٍّ في الخلافة فهو أضل من حمار أهله»، لأن الخلافة والإمامة عند أهل السنة تُعدّ من فروع الفقه والسياسة الشرعية ومصالح الأمة، وليست أصلاً من أصول العقيدة التي يُكفَّر المخالف فيها.
في المقابل، تنتقل شخصية الإمام علي في العقيدة الشيعية الإمامية (الاثني عشرية) من إطار الصحابي الجليل والخليفة الراشد المختار بالشورى إلى مقامٍ وجوديٍّ وعقائديٍّ مختلفٍ تماماً؛ إذ تُعتبر «الإمامة» في المذهب الجعفري أصلاً من أصول الدين الخمسة (التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، المعاد) التي لا يتم الإيمان إلا بها، كما يقرر ذلك الشيخ المفيد في «أوائل المقالات» والكليني في «الكافي» ومحمد رضا المظفر في «عقائد الإمامية». وتقوم هذه الرؤية على قاعدة «اللطف الإلهي» الكلامية، ومؤداها أن حكمة الله وعدله يقتضيان ألا يترك الأرض بعد خاتم الأنبياء دون إمامٍ معصومٍ منصوصٍ عليه يحفظ الشريعة من التحريف والتأويل الخاطئ، ويكون حجةً لله على عباده. ومن هذا المنطلق، يرى الشيعة الإمامية أن علياً هو «الوصي» و«الخليفة بلا فصل» المعين بنصٍّ إلهيٍّ ونبويٍّ جليّ، وأنه يتمتع بـ«العصمة المطلقة» عن الذنوب الصغائر والكبائر وعن الخطأ والسهو والنسيان منذ ولادته وحتى استشهاده، وأن له ولايةً تشريعيةً وروحيةً هي امتدادٌ لولاية النبي صلى الله عليه وسلم، باستثناء مقام النبوة والوحي التشريعي. ولا بد هنا من التمييز الدقيق داخل الفضاء الشيعي نفسه؛ فالمدرسة الزيدية (المنتشرة تاريخياً في اليمن) تشترك مع الإمامية في القول بأفضلية عليٍّ واستحقاقه للإمامة، لكنها تقترب من أهل السنة في رفض القول بالعصمة المطلقة على النحو الإمامي، وتتبنى نظرية «إمامة المفضول مع وجود الأفضل»، فتصحح خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وتترضى عنهما، معتبرةً أن تقديمهما كان لمصلحةٍ راجحةٍ رآها الصحابة لتسكين الفتنة، بينما ذهبت فرقٌ غاليةٌ منقرضةٌ أو هامشيةٌ (كالسبئية والخطابية) إلى تأليه عليٍّ أو ادعاء حلول اللاهوت فيه، وهو الغلو الذي حاربه الإمام علي نفسه في حياته أشد المحاربة، وتبرأ منه علماء الشيعة الإمامية والزيدية وأهل السنة بإجماع.
إن جذر الخلاف والانقسام بين المدرستين السنية والشيعية لا يكمن في ثبوت النصوص النبوية الواردة في فضل عليٍّ فحسب، بل يكمن في «المنهج التأويلي» (الهرمنيوطيقا الإسلامية) الذي يقرأ به كل فريقٍ النصوص ذاتها. ويتجلى هذا التباين التأويلي في أبلغ صوره عند الوقوف أمام ثلاثة نصوصٍ محوريةٍ مشتركة: أولها «حديث غدير خم» الذي نطق به النبي صلى الله عليه وسلم في الثامن عشر من ذي الحجة سنة عشرٍ للهجرة أثناء عودته من حجة الوداع: «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه» (والشطر الأول ثابتٌ في صحيح مسلم بصيغة الحث على التمسك بالثقلين وأهل البيت، وبلفظ الموالاة في مسند أحمد وسنن الترمذي والنسائي وصححه كبار المحدثين كالألباني وشعيب الأرناؤوط، بينما يتوسع الشيعة في رواية زياداته في «الغدير» للأميني و«الكافي»). يقرأ الشيعة لفظ «مولاه» هنا بمعنى «الأولى بالتصرف والقيادة والحكم»، ويربطون الحادثة بنزول آية التبليغ في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾، معتبرين الغدير وثيقة تنصيبٍ دستوريٍّ وعقائديٍّ رسميٍّ لعليٍّ خليفةً للمسلمين. أما علماء السلف وأهل السنة، كابن كثير والبيهقي وابن تيمية في «منهاج السنة» وابن حجر في «فتح الباري»، فيقرؤون الحديث في سياقه التاريخي واللغوي؛ حيث يوضحون أن سبب ورود الحديث هو شكاية بعض أفراد الجيش العائدين مع عليٍّ من سرية اليمن بسبب تشدده العادل في قسمة الخُمس ومنعهم من ركوب إبل الصدقة، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم إزالة ما في النفوس وإعلان وجوب محبة عليٍّ ونصرته، مشيرين إلى أن لفظ «المولى» في لسان العرب مشتركٌ لفظيٌّ يرد بمعنى الناصر والمحب والحليف والوليّ، ولا يعني «الإمام السياسي» بالضرورة، بدليل أن القرآن استخدمه في قوله تعالى: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولو كان المراد تنصيب خليفةٍ للأمة بعد وفاته لكان إعلانه يوم عرفة أمام عشرات الآلاف من حجاج الأمصار كافةً أولى من إعلانه في غدير خم بعد تفرق حجاج مكة والطائف واليمن، ولبُيّن بلفظٍ صريحٍ قاطعٍ لا يحتمل التأويل كـ«عليٌّ خليفتي من بعدي فاسمعوا وأطيعوا».
ويتكرر هذا الاشتباك التأويلي في النص الثاني، وهو «حديث المنزلة» المتفق على صحته في البخاري ومسلم: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي؟»؛ إذ يستنبط منه المتكلمون الشيعة ثبوت جميع منازل هارون لعليٍّ سوى النبوة، وعلى رأسها الوزارة والخلافة المباشرة والأعلمية والعصمة. في حين يحتج علماء أهل السنة بسياق الورود التاريخي للحديث؛ فقد قاله النبي صلى الله عليه وسلم لعليٍّ حين خلّفه على المدينة المنورة لرعاية أهله والضعفاء أثناء خروجه إلى غزوة تبوك، فطفق المنافقون يرجفون قائلين: «ما تركه إلا استثقالاً له وتخففاً منه»، فخرج عليٌّ بسلاحه حتى لحق بالنبي فأخبره، فطيّب النبي خاطره بهذا الحديث؛ ومن ثَمّ يرى السلف أن التشبيه محصورٌ في «الاستخلاف المؤقت أثناء الغيبة» كما استخلف موسى هارون حين ذهب لميقات ربه، ولا يدل على الخلافة بعد الموت لأن هارون عليه السلام توفي في حياة موسى باتفاق أهل التاريخ. وكذلك الحال في النص الثالث المتمثل في «آية التطهير» في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ و«حديث الكساء» الثابت في صحيح مسلم حين جلّل النبي علياً وفاطمة والحسن والحسين بكساءٍ ودعا لهم بهذا الدعاء؛ فبينما يرى الشيعة أن «الإرادة» هنا إرادةٌ تكوينيةٌ قدريةٌ حتميةٌ تثبت العصمة المطلقة لأصحاب الكساء وتُخرج زوجات النبي من مفهوم «أهل البيت» الخاص، يرى أهل السنة أن سياق الآيات في سورة الأحزاب قبلها وبعدها يخاطب أزواج النبي صراحةً، وأن حديث الكساء يُدخل علياً وفاطمة والحسنين في مفهوم أهل البيت دخولاً أولوياً تشريفياً، وأن الإرادة هنا إرادةٌ تشريعيةٌ ودعاءٌ نبويٌّ بالتطهير الروحي والخلقي، دون أن يستلزم ذلك عصمةً ترفع عنهم صفة البشرية التي يقع منها الاجتهاد المصيب أو المخطئ.
ولم يبقَ هذا الخلاف حبيس النصوص والتأويلات الذهنية، بل تفاعل مع الزلزال التاريخي والسياسي الذي بدأ لحظة وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم واجتماع الأنصار والمهاجرين في «سقيفة بني ساعدة». ففي القراءة السنية للتاريخ، كما تدوّنها كتب «تاريخ الطبري» و«البداية والنهاية» و«العواصم من القواصم» لابن العربي، كانت السقيفة استجابةً إسعافيةً مشروعةً تداركت بها الأمة خطر التشظي القبلي والانهيار السياسي المباغت، وجاءت بيعة أبي بكر الصديق ثمرة إجماعٍ تدريجيٍّ استند إلى إشاراتٍ نبويةٍ واضحةٍ كاستخلافه في إمامة الصلاة بالمسلمين أثناء مرض النبي: «مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس»، مما جعل الصحابة يقولون: «رضيه رسول الله لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا؟». أما تأخر الإمام علي عن بيعة الصديق في الأشهر الستة الأولى —وهو ثابتٌ في صحيح البخاري— فيفسره أهل السنة بأنه عتبٌ شخصيٌّ من عليٍّ لعدم استشارته في السقيفة لانشغاله مع بني هاشم بتجهيز الجسد النبوي الشريف، فضلاً عن مراعاته لخاطر السيدة فاطمة رضي الله عنها في مسألة ميراث «فدك»، ثم ما لبث أن بايع الصديق طائعاً مختاراً في المسجد النبوي، وانخرط بفعاليةٍ تامةٍ قاضياً ومستشاراً وعضداً للخلفاء الثلاثة طوال خمسٍ وعشرين عاماً، حتى قال عمر بن الخطاب مقولته الشهيرة: «لولا عليٌّ لهلك عمر»، بل زوّج عليٌّ ابنته أم كلثوم (بنت فاطمة الزهراء) للخليفة عمر بن الخطاب —وهي واقعةٌ ثابتةٌ في البخاري وفي «الكافي» للكليني و«تهذيب الأحكام» للطوسي— وسمّى ثلاثةً من أبنائه بأسماء الخلفاء الثلاثة: أبو بكر بن علي، وعمر بن علي، وعثمان بن علي (وقُتل بعضهم مع أخيهم الحسين في كربلاء)، وهو ما يعتبره أهل السنة برهاناً ساطعاً على صفاء القلوب والمودة الصادقة بين عليٍّ وإخوانه الخلفاء.
أما القراءة الشيعية للتاريخ، كما تتجلى في «كتاب سليم بن قيس» و«الاحتجاج» للطبرسي و«الإرشاد» للمفيد وشروح «نهج البلاغة»، فترى في اجتماع السقيفة انقلاباً سياسياً أقصى الوصي الشرعي، وتفسر سكوت الإمام علي وتعاونه مع الخلفاء الثلاثة بأنه موقفٌ استراتيجيٌّ أملته المصلحة العليا لحماية أصل الإسلام من الردة والانهيار الخارجي، وتطبيقٌ لمبدأ الصبر الرسالي والمداراة، وتستشهد هذه القراءة بما ورد في «الخطبة الشقشقية» في كتاب «نهج البلاغة» المنسوب للإمام علي (وهي خطبةٌ يشكك محدثو أهل السنة كابن تيمية والذهبي في ثبوت إسنادها لعليٍّ لانقطاعها، بينما يوثقها علماء الشيعة) حيث يقول فيها: «أما والله لقد تقمّصها فلانٌ وإنه ليعلم أن محلّي منها محلّ القطب من الرحى… فصبرتُ وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهباً»، كما يستشهدون بقوله في نهج البلاغة تبريراً لتعاونه ومشاركته في الشورى: «لأسلمنّ ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جورٌ إلا عليّ خاصةً، التماساً لأجر ذلك وفضله، وزهداً فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه»، وأما تزويج أم كلثوم وتسمية الأبناء فيحملها المؤرخون الشيعة إما على التقية والإكراه السياسي وإما على شيوع تلك الأسماء في العرب دون قصد التودد العقائدي.
وجاءت لحظة الانفجار التاريخي الأكبر حين آلت الخلافة إلى الإمام علي بن أبي طالب سنة خمسٍ وثلاثين للهجرة في أعقاب مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ إذ تسلّم عليٌّ زمام دولةٍ مترامية الأطراف تموج بالفتن والاضطرابات القبلية والاجتماعية، فاصطدم منهجه الصارم في العدالة المبدئية ومساواة الناس في العطاء وعزل الولاة بمنهج الواقعية السياسية والمطالبة الفورية بدم عثمان قبل استتباب الأمن. وأسفر هذا الصدام الدامي عن معركتي «الجمل» (أمام طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم) و«صفين» (أمام معاوية بن أبي سفيان وأهل الشام)، ثم حادثة «التحكيم» التي انشق على إثرها «الخوارج» وحاربوا علياً في «النهروان» وكفّروه حتى اغتاله عبد الرحمن بن ملجم المرادي في محراب مسجد الكوفة في شهر رمضان سنة أربعين للهجرة. هذه الدماء التي سالت في سنوات خلافة عليٍّ الخمس هي التي حوّلت الخلاف السياسي والتأويلي إلى خنادق عقائديةٍ راسخة؛ ففي حين صاغ الشيعة عقيدتَيْ «التولّي والتبرّي» اللتين حكمتا بالفسق أو الردة على كل من تقدم على عليٍّ أو نازعه أو حاربه في الجمل وصفين باعتباره خارجاً على إمام الزمان المعصوم، صاغ أهل السنة والجماعة عقيدة «الكفّ عما شجر بين الصحابة» مع الجزم القاطع بأن الحق في تلك الحروب كان مع علي بن أبي طالب، وأن علياً هو الإمام الحق، وأن مقاتليه في صفين هم «الفئة الباغية» بنص الحديث النبوي المتواتر في الصحيحين: «ويح عمّار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» (وقد قُتل عمار بن ياسر في جيش عليٍّ على يد جيش معاوية)، غير أن أهل السنة رأوا أن البغي هنا لا يُخرج صاحبه من الإيمان ولا يسقط أصل عدالة الصحابة الذين اجتهدوا فأخطؤوا، مرددين مقولة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز: «تلك دماءٌ طهّر الله منها سيوفنا، فلا نلطّخ بها ألسنتنا».
وهكذا يتبين للمتأمل في مرايا التاريخ الإسلامي أن الانقسام حول علي بن أبي طالب لم يكن يوماً انقساماً بين محبٍّ ومبغضٍ داخل الدائرة الكبرى لأهل السنة والشيعة —إذ لم يبغضه ويكفّره إلا الخوارج والنواصب الذين لفظتهم الأمة— بل كان انقساماً في «ماهية المحبة وحدود المقام» بين مدرسةٍ سنيةٍ سلفيةٍ أحبته في إطار البشرية الراشدة والصحبة العادلة والشورى السياسية، ومدرسةٍ شيعيةٍ أحبته في إطار الاصطفاء الإلهي والعصمة القدسية والنص الملزم. ولعل أبلغ ما يختزل هذه المأساة التاريخية التي جعلت من رمز الوحدة والتقوى محور افتراقٍ عبر القرون، هو تلك النبوءة المبكرة التي نطق بها الإمام علي بن أبي طالب نفسه، وتواطأت على روايتها مصادر الفريقين في «مسند أحمد» و«كتاب السنة» لابن أبي عاصم من جهةٍ، وفي «نهج البلاغة» و«بحار الأنوار» من جهةٍ أخرى، حين نظر إلى الأفق البعيد وقال بكلماته البليغة الخالدة: «يهلك فيَّ رجلان: محبٌّ غالٍ، ومبغضٌ قالٍ»؛ ليبقى عليٌّ، بصموده في المحراب، وبلاغته في البيان، وزهده في الدنيا، وعدله الصارم الذي لم يساوم عليه، شاهداً حياً على عظمة التجربة الإسلامية في ذروة إشراقها الروحي وفي قمة مخاضها الإنساني والسياسي.




