اسلاميات

​إسلام بلا أخلاق هل نستبدل الدين بالطقوس؟

عَجِيبٌ أَمْرُنَا فِي هَذَا الزَّمَانِ؛ نَغْضَبُ أَشَدَّ الْغَضَبِ إِذَا مُسَّ شِعَارٌ دِينِيٌّ، أَوْ انْتُهِكَتْ مَظْهَرِيَّاتُ الدِّينِ وَقُشُورُهُ، بَيْنَمَا تَمُرُّ عَلَيْنَا الْكَبَائِرُ الْأَخْلَاقِيَّةُ وَالْخَطَايَا الْإِنْسَانِيَّةُ مُرُورَ الْكِرَامِ، كَالْبَطْشِ بِالضُّعَفَاءِ، وَالْغِشِّ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَقَطْعِ أَرْحَامِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَشَهَادَةِ الزُّورِ، بِلَا رَمْشَةِ عَيْنٍ وَلَا وِجْدَانٍ حَيٍّ. لَقَدْ تَحَوَّلَ الدِّينُ عِنْدَ قِطَاعٍ وَاسِعٍ مِنَ النَّاسِ إِلَى مَجْمُوعَةٍ مِنَ الطُّقُوسِ الْمِيكَانِيكِيَّةِ الَّتِي نُؤَدِّيهَا بِرُوتِينٍ قَاتِلٍ لِتَرْتَفِعَ أَسْهُمُنَا الْوَهْمِيَّةُ فِي الْآخِرَةِ، مُتَخَلِّينَ تَمَاماً عَنْ كَوْنِهِ قَوَانِينَ إِحْيَاءٍ وَخُلْقٍ نَبِيلٍ تُعَمِّرُ الْأَرْضَ وَتُنْقِذُ الْإِنْسَانَ مِنْ لَظَى الظُّلْمِ وَالشِّتَاتِ، مُتَجاهِلِينَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)، حَيْثُ جَعَلَ اللَّهُ الْأَخْلَاقَ وَالْوَفَاءَ وَالْمُعَامَلَاتِ هِيَ حَقِيقَةَ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى قَبْلَ التَّوَجُّهِ الشَّكْلِيِّ.
​هَذَا الِانْحِرَافُ الْمَفَاهِيمِيُّ الْخَطِيرُ يَضَعُنَا وَجْهاً لِوَجْهٍ أَمَامَ أَصْلِ الْأَزْمَةِ الْمُتَمَثِّلِ فِي اخْتِزَالِ الرِّسَالَةِ الْخَاتِمَةِ الْكُبْرَى فِي شَعَائِرَ مُفَرَّغَةٍ مِنْ أَرْوَاحِهَا. فَحِينَ نَتَأَمَّلُ السِّينَرةَ النَّبَوِيَّةَ الْعَطِرَةَ، نَجِدُ أَنَّ بِعْثَةَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَبْدَأْ بِفَرْضِ الْعِبَادَاتِ التَّفْصِيلِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ، بَلْ بَدَأَتْ بِالْأَخْلَاقِ وَالْيَقِينِ وَالْعَدْلِ وَإِرْسَاءِ قَوَاعِدِ الضَّمِيرِ الْإِنْسَانِيِّ الْحَيِّ، وَكَانَ الْهَدَفُ الْأَسْمَى لِرِسَالَتِهِ مُجَسَّداً فِي قَوْلِهِ الْخَالِدِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ).
​وَحِينَ نَتَدَبَّرُ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ، نَرَاهُ لَا يَنْفَكُّ يَرْبِطُ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَثَمَرَتِهَا الْوَاقِعِيَّةِ الْفَاعِلَةِ فِي حَيَاةِ النَّاسِ؛ فَالصَّلَاةُ الْحَقَّةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حَرَكَاتٍ، بَلْ هِيَ سُلُوكٌ رَادِعٌ كَمَا أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)، وَالصِّيَامُ لَيْسَ إِمْسَاكاً عَنِ الطَّعَامِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ تَهْذِيبٌ لِلزَّجْرِ الْأَخْلَاقِيِّ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)، وَالْحَجُّ يُرَبِّي التَّقْوَى وَاسْتِشْعَارَ وَحْدَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّهُ إِذَا انْتَفَتِ الثَّمَرَةُ وَانْعَدَمَ الْأَثَرُ السُّلُوكِيُّ، بَطَلَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لِلْعِبَادَةِ وَأَصْبَحَتْ مُجَرَّدَ حَرَكَاتٍ بِلَا رُوحٍ. بَلْ إِنَّ التَّحْذِيرَ الْقُرْآنِيَّ كَانَ صَارِخاً حِينَ صَوَّرَ لَنَا مَنْ يُؤَدُّونَ الْعِبَادَاتِ شَكْلاً وَيُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ سُلُوكاً فِي سُورَةِ الْمَاعُونِ: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ)، فَرَبَطَ الْوَيْلَ لِلْمُصَلِّينَ بِتَرْكِهِمْ لِحُقُوقِ الْعِبَادِ وَمَعُونَةِ الضُّعَفَاءِ.
​مِنْ رَحِمِ هَذِهِ الْأَزْمَةِ يَبْرُزُ الْمَفْهُومُ الْبَدِيلُ وَالْمُنْقِذُ؛ وَهُوَ أَنَّ الدِّينَ فِي جَوْهَرِهِ مُعَامَلَةٌ وَعِمَارَةُ أَرْضٍ، وَإِعَادَةُ الِاعْتِبَارِ لِلْإِسْلَامِ الْحَرَكِيِّ الْحَيَوِيِّ الَّذِي يُغَيِّرُ الْوَاقِعَ نَحْوَ الْأَفْضَلِ لَا الَّذِي يَهْرُبُ مِنْهُ إِلَى عَزَلَاتٍ سَلْبِيَّةٍ. فَالْإِسْلَامُ الْحَقِيقِيُّ لَيْسَ هُرُوباً مِنْ تَحَدِّيَاتِ الْحَيَاةِ، بَلْ هُوَ اقْتِحَامٌ وَاعٍ لَهَا بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، مِصْدَاقاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّحْلِ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). وَالْمُؤْمِنُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ أَيْنَمَا حَلَّ نَفَعَ؛ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي صِدْقِهِ، وَأَمَانَتِهِ، وَاحْتِرَامِهِ لِلْوَقْتِ، وَإِتْقَانِهِ الْبَالِغِ لِصِنَاعَتِهِ وَعَمَلِهِ، لِيَكُونَ بِحَقٍّ مِفْتَاحاً لِلْخَيْرِ مِغْلَاقاً لِلشَّرِّ، اسْتِجَابَةً لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ: (إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ).
​أَمَّا مَأْسَاةُ الشَّكْلِ بِلَا جَوْهَرٍ فَتَتَجَلَّى أَبْشَعَ مَا تَكُونُ فِي تِلْكَ الْعِبَادَةِ الَّتِي لَا تُنْتِجُ إِنْسَاناً أَمِيناً، نَزِيهاً، رَحِيماً، وَمُتْقِناً لِعَمَلِهِ، فَهِيَ فِي مِيزَانِ الْحَقِيقَةِ عِبَادَةٌ مُفَرَّغَةٌ مِنْ مُحْتَوَاهَا، قَاصِرَةٌ عَنْ تَحْقِيقِ غَايَاتِهَا الْكُبْرَى. أَلَمْ يُخْبِرْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تَسْرُدُ الصِّيَامَ وَالْقِيَامَ وَلَكِنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا فَقَالَ فِيهَا: (هِيَ فِي النَّارِ)؟ إِنَّ الدِّينَ الْيَوْمَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَظَاهِرَ شَكْلِيَّةٍ بَاهِتَةٍ وَلَا إِلَى شِعَارَاتٍ جَوْفَاءَ، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى “شُهُودٍ حَضَارِيٍّ” وَأَخْلَاقٍ عَمَلِيَّةٍ مَلْمُوسَةٍ يَرَاهَا النَّاسُ وَاقِعاً حَيّاً وَمُمْضِياً قَبْلَ أَنْ يَسْمَعُوهَا كَلِمَاتٍ مُرْسَلَةً، وَكَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَاناً أَحْسَنُهُمْ أَخْلَاقاً).
​وَعَلَيْهِ، فَقَدْ آنَ الْأَوَانُ لِثَوْرَةٍ تَصْحِيحِيَّةٍ جِذْرِيَّةٍ فِي وِعِينَا الدِّينِيِّ؛ أَنْ نُدْرِكَ بِعُمْقٍ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَتَقَبَّلُ دِيناً يُعْزَلُ عَنْ هُمُومِ الْبَشَرِ وَمُعَانَاتِهِمْ، وَلَا يَعْتَرِفُ بِإِسْلَامٍ يَنْفَصِلُ عَنْ مَنْظُومَةِ الْأَخْلَاقِ وَالْعَدَالَةِ. فَلْنُرَاجِعْ صَلَاتَنَا وَزَكَوَاتِنَا وَصِيَامَنَا، لَا لِمُجَرَّدِ تَحْقِيقِ الطُّمَأْنِينَةِ النَّفْسِيَّةِ الْوَهْمِيَّةِ، بَلْ لِنَقِيسَ أَثَرَهَا الْحَقِيقِيَّ فِي سُلُوكِنَا الْيَوْمِيِّ، وَفِي مُعَامَلَاتِنَا مَعَ الْخَلْقِ، وَفِي نَزَاهَةِ ضَمَائِرِنَا، مُتَذَكِّرِينَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الْمُفْلِسِ فَقَالَ: (الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا…). فَالدِّينُ، قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَبَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ، هُوَ كَيْفَ نَكُونُ بَشَراً نَافِعِينَ لِلْكَوْنِ، أُمَنَاءَ عَلَى أَمَانَاتِنَا، وَرُحَمَاءَ بِخَلْقِ اللَّهِ أَجْمَعِينَ.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا