
في زوايا حارة زويلة بقلب الفسطاط، وحيث كانت مياه النيل تعكس أضواء المشاعل الخافتة في ليالي القرن السابع من الهجرة، المقابل للقرن الثالث عشر للميلاد، لم يكن الهواء الفاصل بين مساجد القاهرة وكنائسها العتيقة سوى غشاء رقيق تعبره التسابيح دون استئذان. هناك، وفي جوف الليل الهادئ، كان المصلون في كنيس الفسطاط ينتظمون في صفوف مستوية كالبنيان المرصوص، يغسلون وجوههم وأرجلهم وأيديهم إلى المرافق قبل الوقوف بين يدي الخالق، ثم يسقطون على وجوههم سجوداً تلامس فيه جباههم الثرى، متهجدين بآيات المزامير والتوراة ولكن بأنفاس ونغمات تفيض بوجد العارفين؛ مشهد يربك عين الناظر المتعجل التي ألفت الجدران العازلة بين الأديان، لكنه يمثل في جوهره فصلاً من أعمق فصول التثاقف الروحي في تاريخ الحضارة الإنسانية، حيث تلاقت التقوى اليهودية مع معارج التصوف الإسلامي في معراج واحد نحو المطلق.
لم تكن تلك التجربة وليدة مصادفة عابرة، بل كانت تتويجاً لمسار معرفي وأخلاقي عميق بدأ يتبلور قبل ذلك بقرنين في الأندلس مع الحبر والفيلسوف بحيّة بن يوسف بن باقودا. ففي كتابه الخالد “الهداية إلى فرائض القلوب”، الذي وضعه بالعربية اليهودية، أحدث ابن باقودا هزة وجدانية في الفكر الديني اليهودي حين ميّز بصرامة بين “فرائض الجوارح” الظاهرة و”فرائض القلوب” الباطنة. لقد كان ابن باقودا يتنفس المناخ الروحي ذاته الذي صاغه الحارث المحاسبي في “الرعاية لحقوق الله” وأبو حامد الغزالي في مشروعه لإحياء علوم الدين؛ فجاءت فصول كتابه تفيض بمصطلحات صوفية خالصة كالتوكل، ومحاسبة النفس، والزهد، والإخلاص، والمحبة الإلهية. كان ابن باقودا يرى أن الشريعة جسدٌ بلا روح ما لم تعمرها رياضة الباطن وتخلية القلب من علائق الدنيا، مقتبساً في طيات نصوصه حِكماً ومرويات منسوبة لزهاد المسلمين ومتصوفتهم دون حرج، معتبراً أن الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أحق بها.
غير أن هذا التأسيس النظري سرعان ما تحول إلى حركة سلوكية وطقسية جارفة على يد رجل اجتمعت له الرئاسة الدينية والسياسية لجالية اليهود في المشرق: الحبر إبراهيم بن موسى بن ميمون، نجل الفيلسوف الأكبر موسى بن ميمون، وخليفته في منصب “الناغيد” أو رئيس اليهود في مصر. وُلد إبراهيم في كنف العقلانية الفلسفية التي قادها والده صاحب “دلالة الحائرين”، لكنه سرعان ما وجد نفسه مسكوناً بعطش روحي لا ترويه براهين الفلاسفة الجافة ولا جدل الفقهاء الصوري. وفي ريعان شبابه، بدأ إبراهيم يرمق حلقات المتصوفة المسلمين في مساجد القاهرة وخوانقها بعين ملؤها الإجلال والانبهار؛ فرأى في خرقهم المرقعة، وتضرعهم الليلي، وخلواتهم التأملية، ومجاهداتهم لأهوائهم، تجسيداً حياً لما كان يقرأ عنه في أسفار العهد القديم عن أنبياء بني إسرائيل من لدن موسى وإيليا وداود.
دون إبراهيم بن ميمون مشروعه الإصلاحي والروحي في سفره الضخم “كفاية العابدين”، وهو النص الذي عكف على تحقيقه ودراسته في العصر الحديث مستشرقون كبار كالدكتور بول فينتون والدكتور شلومو دوف غويتين استناداً إلى أوراق “جنيزة القاهرة” الثمينة. وفي هذا الكتاب الاستثنائي، يطرح إبراهيم أطروحة جريئة وصادمة لمعاصريه؛ فهو لا يرى في اقتباسه لآداب المتصوفة المسلمين نوعاً من المحاكاة لدين غريب، بل يقرر بلهجة يقينية أن هذه المسالك العرفانية هي في الأصل سنن الأنبياء العبرانيين القدماء، وأن بني إسرائيل أضاعوها وتخلوا عنها جراء قسوة الشتات ومكابدة المنفى، في حين تلقفها متصوفة الإسلام وحفظوها ورعوها حق رعايتها. ومن هذا المنطلق التأويلي البديع، اعتبر إبراهيم أن استعادة هذه الممارسات ليست خروجاً عن الشريعة، بل هي ردٌّ للأمانة إلى أهلها، واسترجاعٌ لميراث مفقود طال غيابه.
امتدت هذه الرؤية لتحدث ثورة حقيقية داخل جدران الكنيس وطقوسه؛ فأدخل إبراهيم تقاليد كانت غريبة عن المألوف الرباني آنذاك، مستلهماً السلوك التعبدي للمسلمين. فرض غسل اليدين والرجلين قبل الصلاة مستدلاً بنصوص تلمودية وتوراتية منسية، وأمر بإنشاء صفوف مستقيمة منتظمة للمصلين مستنكراً فوضى الجلوس والتشتت، واعتمد السجود التام بالانبطاح على الأرض، معتبراً أن الاقتصار على مجرد الانحناء هو اختزال مخلّ بالخشوع. ولم يتوقف الأمر عند حدود الطقس الجمعي، بل أسس لما عُرف بحركة “الحسيديم المصرية” أو المتصوفة اليهود، متبنياً البنية التربوية الكاملة للتصوف الإسلامي. أضحى الشيخ الروحي قطب الرحى في تربية المريدين، وصارت “الخلوة” في غرف مظلمة طلباً لفيض الأنوار الإلهية ركناً أساسياً في ترقي السالكين، وارتدى هؤلاء العباد أثواباً خشنة تحاكي خِرقة الصوفية، وخصصوا سحر الليالي لحلقات الذكر والتراتيل الوجدانية التي تُردد فيها الأسماء الإلهية حتى بلوغ الفناء في محبة الله.
لم يكن هذا المسار مفروشاً بالرياحين؛ إذ سرعان ما استشاط التيار المحافظ في الجالية اليهودية غضباً وذعراً من هذه التحولات العميقة، متهمين الحبر إبراهيم بإدخال “البدع” وتشبيه صلوات الكنيس بصلوات المسلمين. وتكشف وثائق الجنيزة التاريخية عن شكاوى ومذكرات رُفعت بالفعل إلى ديوان السلطان الأيوبي العادل ثم الملك الكامل، تزعم أن رئيس اليهود يبدل شرائع آبائه وينتهك الأعراف المستقرة. بيد أن إبراهيم واجه هذه العواصف بصلابة الواثق وحكمة العارف؛ فوقف أمام السلطان ليدافع عن حركته بنصوص التوراة وعمق الشريعة، مبيناً أن التقرب إلى الله بالذل والسجود والطهارة لا يمكن أن يكون جريمة في عرف أي ملة تؤمن بإله واحد. ورغم أن خلفاء إبراهيم من ذريته، مثل حفيده داود بن يوشع، واصلوا قيادة هذه الحركة لأجيال لاحقة، إلا أن التيار الرباني التقليدي تمكن تدريجياً، مع تعاقب القرون، من خنق هذا التوجه وإعادة الصلوات إلى جمودها الشكلي.
إن التأمل العميق في وثائق تلك المرحلة يوقظ الدهشة أمام حجم التطابق في القاموس الصوفي بين اللغتين؛ فالمصطلحات التي كانت تُخط بحروف عبرية في رسائل المتصوفة اليهود كانت تستعير حرفياً مصطلحات ابن عربي والغزالي والسهروردي: مقامات السلوك، وأحوال النفس، والفناء، والبقاء، ونور التوحيد، ومجاهدة الهوى، وحجاب الغفلة. لم يكن الأمر مجرد تأثر لغوي سطحي، بل كان انخراطاً كاملاً في نسق معرفي ووجودي واحد، حيث استوعب العقل اليهودي المشرقي أن روحانية الإسلام لا تناقض جوهر التوحيد التوراتي، بل تعيد إليه نضارته التي جففتها شروح القوانين المغلقة. لقد أثبت أولئك الأحبار المتصوفة أن الظمأ إلى النور الإلهي يتجاوز ضيق الحدود المصطنعة، وأن تجارب الوجد والانسحاق بين يدي الخالق لغة كونية واحدة تلتقي فيها القلوب متى ما صفت سرائرها وتجردت من أوهام الانغلاق.







