اسلاميات

أحكام الصيام وحقيقة توقيت شهر رمضان المبارك

​يستند فرض صيام شهر رمضان المبارك إلى أدلة قطعية وثابتة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ففي كتاب الله عز وجل يقول في سورة البقرة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، ويقول جل وعلا أيضاً في الآية الموالية: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. وتتأكد هذه الفريضة العينية في السنة النبوية المطهرة بأحاديث متواترة وصحيحة، منها ما أخرجه الإمام البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ}، وفي الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ}، وعنه قال: {مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ}. وأما عن أصل التسمية، فقد أجمع اللغويون والمفسرون كالقرطبي وابن منظور على أن رمضان مشتق من “الرمضاء” وهي شدة الحر ووقع الشمس الحارقة، لأن الصيام يرمض الجوف بحر العطش والجوع، أو لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها بالأعمال الصالحة. وفيما يخص وقت هذا الشهر وثباته الفلكي والتشريعي، فقد ارتبط بالأهلة القمرية بنص القرآن الكريم في سورة التوبة: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}، وأكد النبي صلى الله عليه وسلم ارتباط الصيام بالرؤية البصرية المباشرة في الحديث المتفق عليه: {صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ}. ورغم هذه الدلالات القاطعة، يثار التشكيك أحياناً من بعض الفرق التاريخية أو أصحاب الطروحات المعاصرة بشأن توقيت رمضان ودورته عبر الفصول، مستندين إلى مفهوم “النسيء” الذي كان يمارسه المشركون في العصر الجاهلي، حيث كان يتولى إدارته أعلام تاريخيون معروفون مثل “القلمس الكناني” ممثلاً في شخصيات كجنادة بن عوف أو أفرع بن كابس، والذين كان أفراد قبيلة بني كنانة ينيبونهم لتحريف الشهور وتأخيرها أو تقديمها بحسب أهوائهم ومصالح حروبهم وتجارتهم ليتوافق رمضان أو الأشهر الحرم مع فصول معينة دون أخرى. وقد استغل بعض المشككين المعاصرين هذا المفهوم الجاهلي للطعن في ثبات التقويم القمري، داعين إلى جعله شهراً ثابتاً في فصل شمسي محدد أو معتمدين على حسابات فلكية مطلقة تخالف النص الشرعي المتواتر. غير أن الشريعة الإسلامية حسمت هذا الأمر قطعياً وأبطلت هذا التلاعب بالكامل في حجة الوداع، حيث نزلت آيات التحذير الصريح في سورة التوبة: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}، وخطب النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً الحقيقة الأبدية بقوله الشريف: {إنَّ الزَّمانَ قد استدارَ كَهيئتِهِ يومَ خلقَ اللهُ السَّمواتِ والأرضَ، السَّنةُ اثنا عشرَ شهراً منها أربعةٌ حُرُمٌ}، وهو ما أجمع عليه علماء الأمة كالإمام ابن كثير وابن حجر العسقلاني وغيرهم ممن أكدوا أن دوران الشهر القمري على الفصول الأربعة هو حكمة إلهية بالغة تتيح للمؤمنين تجربة عبودية الصيام في حر الصيف وبرد الشتاء على حد سواء، لتبقى أحكام هذا الشهر العظيم منارة صافية لا تتبدل بتلاعب البشر ولا تؤثر فيها شبهات المشككين.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا